الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٥

أما المظاهر التي ينخدع بها الناس، كالمال والقوة والسلطة، فلا قيمة لها في نظر المؤمن إلا بمقدار ما يعود منها على الأمة – مجتمعا وأفرادا – من فوائد. إن الأموال، لا قيمة لها إلا بالمقدار الضروري للحياة. أو بما ينفق منها في سبيل الله، وإن القوة لا قيمة لها إلا بمقدار ما يستطيع به الإنسان الحياة، أو بمقدار ما يصرف منها في الصالح العام. أما السلطة، فلا تخلو أما أن تكون داخلة في التشريع الإلهي دون طغيان، فهي صيانة لحقوق الأمة، وحفظ توازن بين القوي والضعيف، وتوزيع عادل لفرض الحياة بين الناس، وإتاحة الحياة الكريمة لكل فرد، وتنظيم للمحافظة على الأمن والسلام، ورعاية لحدوده، وتطبيق لأحكامه، واستمرار في الدعوة إليه بالوسائل التي شرعها. وما إلى ذلك، فهذه هي السيرة التي وضعها الإسلام لسير الحكام. وأما أن تكون تعديا لحدود الله، وحكما بغير ما أنزل الله، فهي ظلم وجبروت، يجب أن يوقفها المؤمنون، وإن يضربوا على يد صاحبها، وأن يطالبوه بالتزام حدود الله.

تلك هي الصور التي عرفها الناس، لنظام الحياة تحت حكم الإسلام، فلما انحرف الأمراء والولاة، بالحكم عن طريقة البين الواضح، وانحرف المفكرون، بالعلم عن مجرى السنة إلى البدعة، وعن نصاعة الحق إلى ظلمه الشبهة – ثار الناس.

ثاروا على انحراف بأنظمة الحكم، وثاروا على الانحراف بحقائق العلم، فحاربوا الظلم بالسيف والقوة، وحاربوا البدعة بالبرهان والحجة، واثبتوا صلاحية الإسلام لتنظيم الحياة، بصدق الدعوة، وعدالة السيرة. وليست هذه الحركة الثورية ضد الانحراف في الحكم أو في العلم، قاصرة على ليبيا أو تونس أو الجزائر ولا على الاباضية.

١٥ / ٣٥٥