الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٦٤ولقد قامت في ليبيا ثلاث امامات مستقلة عن الدولة الأموية والدولة العباسية، وحاولت تلك الإمامات أن تعود بالحكم المنحرف إلى المنهج الذي جاء به دين الله، وشمل حكم هذه الإمامات، بعضا من البلاد التونسية إلا أن جربة بقيت مترددة لم تقدم على الإنضمام إلى تلك الإمامات، وحافظت على حيادها السياسي والعسكري، ولعل شيوخ الجزيرة كانوا يرون إن البقاء على وضعهم الخاص لا يعرضهم لسخط أحد، كما أنهم كانوا يرون أن الإمامة لا يمكن أن تستقر في ليبيا، لأن ليبيا هي الطريق الطبيعي للجيوش الذاهبة من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق، ومهما كان رأيهم في الموضوع فقد واقفوا منها موقفا سلبيا، فلم يساعدوها في حروبها سواء في ذلك الحروب الواقعة في ليبيا أو الحروب الواقعة في البلاد التونسية، كما لم يساعدوا مناهضيها في كلا البلدين. فلما تأسست الدولة الرستمية في الجزائر وبايع الناس عبدالرحمن رستم بالإمامة كانت جربة من البلدان الأولى التي استبشرت بميلاد هذه الإمامة، وسارعت إلى الانضمام إليها والدخول تحت جناحها، كما فعل أغلب الجنوب والوسط من البلاد التونسية، ولعل من الأسباب التي جعلت جربة تستبشر بميلاد هذه الإمامة الجديدة، والانضواء تحت لوائها ما يلي:
1 - كان عبدالرحمن بن رستم شخصية لامعة فهو من حمل العلم، ومن اخلص الدعاة إلى المحافظة على دين الله، ولقد أسند إليه حكم القيروان في عهد الإمام أبي الخطاب فكان مثالا للحاكم المسلم النزيه، الذي يحرص أعلى اقامة دين الله، فإذا بويع بالإمامة في الجزائر فهو خليق أن يسير بها في طريق العدول من المؤمنين.
2 - الموقع الذي اختاره عبدالرحمن ومستشاروه ليكون مركزا للإمامة، موقع ممتاز تتوافر فيه جميع وسائل الإستقرار لإقامة حكم عادل في دولة قوية.
3 - كان أهالي جربة يعرفون أنهم لن يتركوا على هذا الإنعزال والإستقلال دون أن يدخلوا تحت حكم دولة.