الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٦٣ولما تم فتح البلاد التونسية، وقضى القضاء الكامل على الوثنية، وأصبحت كلمة الله هي العليا وخضع المغرب للدولة الأموية، يقيت جربة منعزلة عن ولاة الحكم، يقيم بعض مشائخها فيها حكم الله، حسبما تلقوه في الحين من حملة دين الله.
وتعاقب ولاة الدولة الأموية على المملكة التونسية وتنازعوا فيما بينهم على الحكم في بعض الأحيان وثار عليهم الناس هنا أو هناك أحيانا أخرى، وكان النزاع هذه المرة داخل صفوف المسلمين يقوم به ثائرون على انحراف الولاة بالحكم عن منهاج الإسلام أو حريصون على البقاء في الحكم، أو طامعون في الوصول إليه، وبقيت جربة على الوضع الذي اخنارته لنفسها، تطبق نظم الحكم الإسلامي في شؤونها الداخلية، ولا تخرج خارج الجزيرة، ولا ترمى بثقلها إلى أي جانب من الجوانب المتنازعة، فلم تشترك في الثورات الكثيرة التي كانت تقع عن يمينها وشمالها، وإنما حافظت على الحياه والسلام إلى أواخر القرن الثاني حين التحقت راغبة طائعة بالدولة الرستمية، والسبب في بقائها إلى هذا الحين دون أن تنضم إلى حكم ولاة الدولة الأموية أو ولاة الدولة العباسية أو الثائرين عليهم، هو ما كانت تلاحظه من البعد بين نظم الحكم التي جاء بها الإسلام، وبين طرق الحكم التي يسير عليها أولئك الولاة في كثير من الأحيان، فقد كان واضحا أن أغلب الولاة لم يكونوا يتقيدون بالتشريع الإسلامي في معاملة الناس، والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات، وإنما كانوا يهتمون قبل كل شئ بإقامة الدولة، والمحافظة على السلطة، ولو أدى ذلك إلى انتهاك الحرم التي صانها الإسلام.