الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٧

إن نظام الحكم الإسلامي هو النظام الذي جاءت قواعده الأساسية في كتاب الله ثم طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريقة عملية وسار به خلفاؤه الراشدين. ثم قامت بعد ذلك دول إسلامية كثيرة، استطاع بعضها أن يسيطر على جميع الوطن الإسلامي، وانقسم الوطن الإسلامي في بعض الأحايين إلى دول متعددة تحكم كل دولة منها قسما من هذا الوطن الكبير، ومن تلك الدول من حاول أن يسير بالنظام الإسلامي في الحكم حتى كاد أن يكون امتدادا للخلافة الرشيدة. ومنا من بعد عن أنظمة الحكم الإسلامي حتى كاد يخرج بها عن دائرة الإسلام. وإنما كان هم القائمين بالحكم أن يصلوا أو يوصلوا إلى غايات معينة دون مراعاة للقواعد التي جعلها الإسلام لبناء الحكم، كما إنهم لم يراعوا أحكام الله في الدماء والأموال والأعراض. ولكن أولئك الحكام مع ذلك البعد عن دين الله، استطاعوا بوسائل كثيرة، أن يضفوا على دولهم وحكوماتهم صيغة شرعية، وأن يجعلوها معتبرة من الدول التي تقوم بأمر الله، وقد توصلوا إلى إضفاء هذه الشرعية على دولهم بطرق مختلفة فمنهم من حصل عليها بالقوة والعنف، ومنهم من حصل عليها بالدهاء والحيلة، ومنهم من حصل عليها بالوعود والرشوة، وأنا حين استعمل كلمة الرشوة في هذا المقام، فإنما أقصد بها ما يغدقه الحكام على رؤساء الطوائف والقبائل لينضموا إلى صفوفهم، وما يجازون به الشعراء والكتاب لينشروا لهم الدعاية، ويحملوا الناس على الالتفاف حولهم، والسر في ركابهم. وما يمنحونه لضعاف العلماء، ليعترفوا لهم بالإمارة، ويستخلصون منهم فتاوي توجب على المسلمين طاعتهم، وتحرم عليهم نقدهم ومطالبتهم بالعدل، وتجعل الخروج عليهم باطلا تحل به الدماء والأموال، وما إلى ذلك من ألوان العقاب. ثم ما يقطعونه لأصحاب المطامع من القواد والأجناد ليكونوا آلة بايديهم يضربون بها من يطالبهم بالحق أو يحاسبهم على العدل.

١٧ / ٣٥٥