الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٨وقد نتج عن ذلك مباحث قيمة بين علماء الشريعة في جواز الثورة على الدولة الظالمة وعدم جوازها. ومع أن الإسلام يحرم الظلم ويحاربه في جميع أشكاله وألوانه فإن كثيرا من علماء الإسلام دعوا إلى الرضا بالحكم القائم اتقاء للفتنة، وخوفا من أن تؤدي الثورة على الظالمين إلى إراقة دماء، والحاق مضار بالأمة، قد تكون أعظم مما يرتكبه الظالمون في أحكامهم. وإذا كان هذا الفريق من علماء الشريعة يرى هذا الرأي، ويذهب هذا المذهب، خوفا على الأمة، وإشفاقا عليها، فإن غيرهم من العلماء يرى أن إيقاف الظلم، وتغيير الحكم الجائر، من أول ما يجب على الأمة مهما كانت النتائج، لأن الاستسلام للظلم لا يولد العدل، ثم إن استمرار تحمل الضيم، أو قبول الجور، يورث الذلة، ويربي النفوس على الخنوع، ويجرئ الظالمين على الاسترسال في طغيانهم، ويجعل من البشر آلهة يحمون كما يريدون، فتطول عهود الحكم الظالم وتنشأ على ذلك أجيال فتتعوده وتعتقد إن ذلك هو الحق. لا سيما وإن الحكام الظالمين أعرف الناس وأقدرهم على تثبيت أقدامهم في الحكم، وتوجيهه لمن يريدون، وذلك بما يصطنعونه من الحواشي والاتباع، ويشترونه من الذمم والضمائر، وينزلونه من ألوان العقوبة على من يقاوم ظلمهم. ويطالبهم بإتباع الحق والعدل. ولذلك فإن هذا الفريق من العلماء يرى أن ثورة الأمة على انحراف الدولة مهما كانت النتائج أهون من الرضا بالحكم الجائر المسترسل الطويل.