الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٧٠ورأى علماء جربة على ضوء الاحداث الواقعة، ان يعودوا إلى نظام حياتهم في العهود السابقة قبل ان يدخلوا تحت حكم الدولة الرستمية، فعليهم ان يحافظوا على استقلالهم الداخلي من الناحية السياسية، وعليهم ان لا يحتكوا بالدولة الفاطمية التي تحاول ان تستقر، وعليهم ان لا يحتكوا بالثوار الذين يحاولون ان يقضوا على هذه الدولة الناشئة، وعليهم ان يحافظوا على جزيرتهم وان لا يتركوا احدا من المتنازعين ليجعلها مركزا للعدوان، وكانوا يهمهم ان يعيشوا على حياد تام وفي سلام في ظل الاسلام، وهم وان انقطع الاتصال السياسي بينهم وبين الجزائر وليبيا إلا انهم كانوا على اتصال وثيق مستمر باخوانهم الاباضية في كامل القطر التونسي وفي الجزائر وليبيا والفارق بين حالة الاباضية في جزيرة جربة وبين غيرهم من الاباضية في البلاد التونسية، ان اباضية جربة قد عاشوا طول الفترة الماضية في حياد وامن وسلام، لم تنلهم الحروب، ولم تستفزهم الثورات، ولم يقع عليهم اعتداء، ولم يصابوا باضرار حرب، اما اخوانهم من الاباضية في بقية البلاد التونسية فقد كانت توجه اليهم الضربات اثر الضربات، اما من الدول القائمة التي تريد ان تحكم، واما من الثوار الذين يريدون ان يطيحوا بتلك الدول ليصلوا إلى الحكم، واما من فورات العصبية المذهبية التي تذكيها المصلحة الفردية احيانا، والمصلحة السياسية احيانا اخرى.
ونظم اهالي جربة حياتهم على نظامهم الخاص، لا يعلنون اسم دولة جديدة، ولا ينضمون إلى دولة قائمة، ولا يؤيدون الثوار الذين ينعقون في كل جهة من البلاد، فإذا التجأ اليهم ملتجئ، يلتمس الحياة الهادئة، والاستقرار والسكينة فتحوا له المجال وأووه، أما إذا اراد ان يتخذ الجزيرة مركزا للعنف والثورة، فأنهم لا يسمحون له بذلك، ويردونه عنهم بلطف فاذا لم يستجب ردوه عنهم بعنف.