الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢١١

لقد كان لتغلب جربة على الأسطول الأسباني، في ذلك الحين صدى بعيد وبقدر ما فرح به المسلمون، وتألم له الصليبيون الحاقدون، وخجل منه ملوك أوربا المتغطرسون، وأسف له رجال الكنيسة المتعصبون، بقدر ذلك كله حاول كتاب الإفرانج ومؤرخوهم إن يخففوا من أثر الصدمة عليهم، وان يجعلوا سبب هزيمتهم خارجا عن إدارة البشرية، وكانوا يلتمسون أسبابا مهما كانت واهية، يعللون بها اخفاق الأسطول، حتى لا يكون مرد هزيمتهم انما هو بطولة أبناء جربة وموقفهم الصلب في الدفاع. وقد لفقوا كثيرا من القصص ليخففوا بها آثار الفضيحة في زعمهم فحاولوا ان يقللوا عدد الجند الأسباني من عشرين ألفا إلى خمسة عشر ألفا او أقل، وحاولوا ان يضخموا من عدد المسلمين إلى أقصى ما يصدقه العقل فزعموا أنهم جهزوا ثلاثة آلاف فارس. ثم جعلوا يصورون هذه الجزيرة الصغيرة كأنها صحراء وسط افريقيا، او الربع الخالي من جزيرة العرب، وجلعوا الاعياء يستولى على الجند ويتمكن منهم العطش حتى يسقط بعضهم ميتا ويضظهر اخرون إلى ان يشتروا كأس الماء بعشرة قروش طرابلسية ولم يكفهم هذا الخيال حتى جعلوا اهل الجزيرة يعرفون مقدما ما سيصيب الاسبان من اعياء وعطش فيضعون بناء على ذلك خطة يستطيعون بها التغلب على عدوهم، وذلك بان يتركوا الآبار مفتوحة، ويضعون عليها المقادير الكافية من الجرار والحبال، ليتنازع عليها الجند الاسباني حينما يشتد بهم العطش، ويتقاتلوا فينقض عليهم الجربيون في سهولة ويسر.

أنه تخطيط لمعركة على الورق، خططها خيال خصب، حتى تكون اسباب هزيمة الجيش الاسباني الكبير انما نتجت عن التعب والعطش وشدة الحر، واختلاف الجند على الشراب، ووقوعهم في فخ منصوب بحكمة وخبرة ودراسة، وهذه القصة يبدو سخفها واضحا إذا وضعت امام الحقائق.

٢١١ / ٣٥٥