الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢١٢

ان المسافة التي كانت تفصل بين الجيشين قبل ان يتحركا للقتال كانت لا تتجاوز ستة اميال، وهي مسافة لا يتعب من قطعها الرجل العادي فما بالك بالجندي المدرب على الصبر والاحتمال ثم ان هؤلاء الجنود قد دربوا على ان يسيروا اياما متوالية، فكيف يتعبون من سير نصف دربوا على ان يسيروا اياما متوالية، فكيف يتعبون من سير نصف يوم او اقل ويقول بعض الكتاب ان الجند كانوا يتساقطون قتلى من العطش فهل من المعقول ان يبلغ الحال بالجيش إلى هذا الحد ويستمر القادة دون ان يتخذوا أي شيء لاسعاف القوم او راحتهم، ويزعمون ان بعضهم يشتري كاس الماء بعشرة قروش، فممن كانوا يشترونها يا ترى؟

وقد صور الاستاذ الباروني دخول الاسبان إلى الجزيرة كأنهم يتوغلون في صحراء قاحلة، ويسيرون حتى يملوا السير دون ان تبدو لاعينهم خضرة، او يجدوا ماء، او يروا انسانا، ولا يسعني ازاء هذه الصورة التي وضعها الاستاذ الباروني إلا ان اضع بجانبها صورة اخرى وضعها مؤلف تونسي يعرف جزيرة جربة حق المعرفة هو الاستاذ محمد المرزوقي قال في كتاب:

((مؤنس الاحبة)) صفحة 145:

((من اعجب الظواهر في جزيرة جربة ان الزائر لها الاول مرة يؤخذ بجمال مناظرها الطبيعية الساحرة، فمجرد اقترابه من شواطئها تظهر له غابات الزيتون الخضراء، وجذوع النخل الباسقة تتراقص امام عينيه يحركها النسيم، والبحر حواليها ترقص امواجه لرقصها، وتهتز او اذية لاهتزازها، وينزل الزائر لارضها فلا يجد غالبا اثرا للسكان بل لا يكاد يرى احدا كأن الحياة معدومة فيها)) ويقول بعد الكلام، ولكنه لا يكاد يخطو خطوات داخل هذه الاشجار الخضراء حتى تنبثق له من بينها بناية بياض لامعة لمعان شمس جربة الضاحية، ذات قباب صغيرة، وابراج قائمة على زواياها، كأنها حصن من الحصو، وبجانب هذا الحصن تجد البئر الروية تمتد منها الجداول الصغيرة الملتوية التي تعطى الماء لأنواع الخضر والغلال.))

٢١٢ / ٣٥٥