الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢٥

كان عبد الرحمن يؤمن أن الفتى الذي يريد طلب العلم لا تصده العقبات، ولا ترده الصعاب، فإن الإرادة القوية والعزيمة الصادقة، والرغبة الملحة، كفيلة أن تقرب المسافات البعيدة، وتيسر الطرق الصعبة، وتبعد التفكير في النفقات للزمن الطويل وما يحتاج إليه الإنسان في كثيرة الاستعداد وإحضار الأموال، وصمم الفتى الغض الإهاب، الطرى العود على السفر بعد أن أذنت له أمه.

اتخذ الأهبة ليلتحق بالعراق، ويستقر في البصرة تلك العاصمة العلمية التي قيل فيها» باض العلم في المدينة، وفرخ في البصرة، وطار إلى عمان «أنه يريد أن يعيش في ذلك العش الذي فرخ فيه العلم فإن طارت منه طيور إلى عمان فهو سوف يتخذ لنفسه مطارا ويختار لحياته مسبحا، وسار الفتى وهو ما يزال في غضارة الصبا حتى وصل البصرة، واتصل بالزملاء وطلاب العلم من مختلف بلاد العالم الإسلامي، أولئك الزملاء الذين يقصدون البصرة كما قصدها هو، وحدثهم وحدثوه، وناقشهم وناقشوه، وفاضلوا بين مجالس العلم، وبين المشائخ والعلماء، حسب مداركهم وحسب منازعهم. وأراد عبد الرحمن أن يتأكد من موقفه، ومن سلامة اختياره، فجال بين المساجد ودور العلم، واستمع إلى كبار تابعي التابعيين، وهم يشرحون كتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وانتقل من حلقة إلى حلقة، ومن عالم إلى عالم، حتى حضر دروسا على أولئك الإعلام الدين يقومون بالدفاع عن دين الله في حرص وأمانة، واختار من بينهم واحد ليتلقى عنه العلم. ويقتبس منه نور الهداية.

اختار مجلس أبى عبيدة مسلم من أبي كريمة مولى بني تميم ذلك الإمام العظيم الذي يطارده طغيان الحجاج وأعوانه، ويضيق عليه الخناق، ويحاول أن يحول دونه ودون إبلاغ رسالة الإسلام إلى المسلمين.

٢٥ / ٣٥٥