الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٧واستقبله أبو عبيدة كما يستقبل الأب الحنون العطوف ولذا بارا عزيزا واحتفى به احتفاء كريما، وأضفي عليه من حبه ورعايته الشيء الكثير، وذلك لأسباب كثيرة منها ما طالع منه من أدب جم، وذكاء وقاد، وفهم كثير، واستعداد للتلقى، ولطف في السلوك، ورغبة حقيقية في العلم. ومنها أنه كان أصغر طلابه المغاربة سنا، ومنها إن هذا الفتى قد وجد من عنت الدهر ما أحس معه الألم والمرارة وهو صغير، فقد تكبد مشقة السفر من فارس إلى مكة المكرمة مع أبويه ليؤديا فريضة الحج، فتوفى أبوه في هذا الموسم الذي يعج بالناس من كل جنس، لا يهتم الشخص منهم إلا بنفسه، وعلاقته بربه، وترك للقدر مصير أرملة وطفل صغير في محنة الغربة البعيدة في ذلك الحين الذي تعز فيه وسائل النقل واسبابه. وقد إنحلت هذه المشكلة بطريقة لم يفكر فيها لا هو ولا أمه، فقد انقضى موسم الحج وبدأ الناس يعودون إلى بلادهم وكانت الأرملة العاجز تفكر في مصيرها ومصير ولدها وتدرس لطريقة التي تمكنها من الرجوع إلى بلده. ولكن تفكيرها الطويل ودراستها للمواقف وانشغالها به لم يوصلها إلى حل. وإنما جاءها الحل لحكمة يعلمها الله بطريقة لم تفكر فيها وإنما ساقها القدر إليها. فقد تقدم إليها رجل من المغرب يخطبها لنفسه، ويعدها إن يربط مصيره بمصيرها إن شاءت، ويعمل على إسعادها وإسعاد ولدها الحبيب. وافقت على هذه الرغبة الكريمة، وعقد عليها القيرواني، وتم الزفاف، وبدلا من أن تولى وجهها إلى مطلع الشمس حيث تعود بطفلها الحبيب إلى الأرض الحبيبة أرض الوطن، أرض فارس! .. بدلا من ذلك اتجهت إلى مغرب الشمس، إلى تلك البلاد التي كانت موضوعا لا ينتهي للحديث والخيال والقصص الصدق والكاذب.