الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢٩٦

أما الصورة الأخرى فاستمع إلى التيجاني يحدثنا عن ذلك في رحلته صفحة 138: ((ثم توجه المنصور إلى قفصه فحاصرها حصارا شديدا إلى ان خرج إليه اهلها راغبين في العفو فشارطهم على تأمين اهل البلد في أنفسهم خاصة وتبقى املاكهم بايديهم على حكم المساقاة، وجميع من عندهم من الحشود والغرباء والأجناد ينزلون على الحكم. فوقع الاتفاق على ذلك، وخرج جميع من في البلاد من أهلها وغيرهم حتى لم يبق فيه إلا النساء، فميز أهل البلاد وأمروا بالرجوع إلى بلدهم. وبقى من كان بها من الغرباء والحشود والأجناد ومن جملتهم ابراهيم بن قراتكين المعروف بسلاح دار المتقدم الذكر، فثقفوا ساعة، ثم جلس المنصور أثر صلاة الظره بموضع جلوسه، واخذ الناس مراتبهم، وامر بأولئك المثقفين فقيدوا إليه فامر بذبحهم، فذبحوا بين يديه أجمعين، لم يفلت أحد منهم، وكان الأعى الفهمى حاضرا، وهو نحوى فاضل كان الخليفة يعينه لقراءة اولاد القرآن، فطلب ان يسمح له بشخص منهم، يتولى ذبحه بيده، فأجابه الخليفة إلى ذلك، ولما أضجع له طلب يسيرا من الملح والصعتر كما يفعله العامة بالضحايا، فاضحك بهذا الفعل المبكى جميع من حضر، وأمر المنصور بهدم سور قفصه وقسمه على جميع من بالمحلة فاعادوه في مدة يومين أثرا بعد عين، وفي هذه الخطرة هلك اكثر نخيل قفصه، إذ كان المنصور قد آلى أيام حصاره لها أن يقطع كل يوم ألف نخلة.))

هذه الصور التي نقلتها لك أيها القارئ الكريم هى أمثلة لسيرة الحكام منذ انحرفوا عن التزام احكام دين الله وبعدوا عن فهم الروح الإسلامية في كرامة النفس البشرية وعمران الأرض بما يزيدها خصبا ونماء في ظلال العدل. هذا الظلم الذي رأيت صورا منه ما كان يمانيه السكان طيلة قرون طويلة، ما ذهب ظالم إلا ابتلوا بأظلم منه.

٢٩٦ / ٣٥٥