الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

ولقد كانت جربة، من هه الثغور التي يحاول الغزاة الغربيون احتلالها والاستقرار بها ليتخذوا منها قاعدة في حروبهم وغزواتهم، وكان الامراء في تونس وطرابلس لا ينفكرن عن النزاع عليها ومحاربتها واحتلالها او افتكاكها من بعضهم البعض، وفي كل معركة من هذه المعارك التي يتبادلها الاخوة طلبا للحكم يتعرض الناس لاشد انواع البلاء والمحنة والانتقام، فيقتل شبابهم وتصادر اموالهم وتفرض عليهم غرامات وضرائب، وقد يتعدى الامر كل ذلك فيؤدي إلى استحلال ما حرم الله من اعراض الناس وهتك حرماتهم.

ومع هذه الصورة البشعة التي كان يتعرض لها اهل جربة، احيانا من اخوانهم في الدين، واحيانا اخرى كثيرة من اعدائهم في الدين والوطن، فانهم كانوا يرتضون ما يجره عليهم حكم اخوانهم ويسكتون له، ولكنهم لم يطأطئوا رؤسهم بذلة امام اعداء الله، ولم يسكتوا عن ضيم منهم، ولم يرضوا عن عبودية تفرض عليهم، ولم يقفوا مكتوفي الايدي عما ينزل بهم الظالمون، فلقد كتبوا امجد صفحة في الدفاع عن الدين والوطن، وسجلوا انتصارات تكاد تكون صورا حية للانتصارات التي سجلها المؤمنون في كل عصر، وفي كل مكان، واقاموا الحجة على المسلمين في كل عصر، وفي كل مكان، فقد اثبتوا بمواقفهم الرائعة ان النصر لا يتوقف على العدد ولا على العدة، وانما يتوقف على ما يزخر به قلب المؤمن من محبة للقاء الله، واستعداد كامل للحصول على الشهادة، ورغبة اكيدة في الموت في سبيل الله، وكما انتصرت القلة على الكثرة في بدر وفي الاحزاب وفي موته وفي اليرموك وفي جربة يمكن ان تنتصر القلة على الكثرة في كل مكان وفي كل زمان إذا توافرت لها الامكانيات الروحية التي كانت عند الجيوش المؤمنة وهي تقاتل في سبيل الله اعداء الله.

٣٢٤ / ٣٥٥