الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٣١وفي اكثر المعارك التي وقعت بين اهالي جربة واخوان من المسلمين كان الجربيون يلاحظون هذه المعاني الاسلامية في مواقفهم وكان المعتدون عليهم في اغلب الاحيان لا يلاحظون شيئا منها ولذلك فقد كانت هذه الحروب بين الاخوة من المسلمين ذات اثار سيئة جدا وكانت خسائر جربة فيها عظيمة، وما شنت عليهم حرب من تلك الحروب، إلا ذهب ضحيتها عدد كبير من الانفس اكثرها من الاطفال الابرياء والنساء الضعيفات والشيوخ العجزة، وبالرجوع إلى احداث التاريخ التي سردنا بعضها في فصول سابقة من هذا الكتاب، او الرجوع إلى المصادر العامة والخاصة للتاريخ في هذه المملكة يتبين للقارئ الكريم هذه الحقيقة، وتكفى لا يضاح هذه الصورة ان اشير إلى احدى الوقائع مما سردنا تقاصيلة في هذا الكتاب، فان حربا واحدة من تلك الحروب التي شنها درغوث على جربة ليجعلها تابعة لحكمة في طرابلس، كلفت الجزيرة الفا ومائتين من القتلى، وقد تلقت فيه جربة فيما بعد ضربات متلاحقات حطمت قوة ابنائها، وفلت سيوفهم، وذهبت بخيرة شبابهم، فلما رجع الافرنج من جديد، وكان درغوث قد شغل بامور الحم في طرابلس، لم تجد جربة القوة التي تضرب بها العدو، ولكنها وجدت في قلوبها عزة الاسلام التي لا تستسلم للكافرين فتحركت الهمم ووقفوا تجاه العدو فلم يمكنوه من احتلال جزيرتهم ولكنه لما اطال الحصار لم ينجدهم احد وخافوا ان تتغلب عليهم القوة صالحوا الافرنج على ان يسلموا لهم القشتيل دون ان يتجاوزوه إلى شيء غيره وفي نفس الوقت، بعثوا إلى دار الخلافة في تركيا يطلبون النجدة لحماية الجزيرة من بقاء المشركين بها، وجاءت النجدة من دار الخلافة وتعاونت القوتان قوة السكان وقوة الدولة على طرد العدو الطر النهائي، وبقيت العزة الاسلامية تملأ قلوب أهل الجزيرة فلما جاءت فرنسا من بعد لتنفيذ الفكرة الاستعمارية الصليبية، كانت الجزيرة من اول المواطن التي قامت في وجه الاستعمار الجديد ودافعته دفاع الابطال.