الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٥٤ورغم هذه الصورة القاتمة التي وضعها الشيخ سعيد بن تعاريت لعصره وعلماء عصره، فاننى اعتقد ان ذلك العصر كان به افذاذ من العماء، يقومون بامر الله، ويحافظون على دينه، ويرعون المة في جميع شؤونها ويامرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتولون تعليم شباب الأمة، وتربيته على الأسس الاسلامية للتربية، وقد ادركت بعضا من علماء الجزيرة المعاصرين له وحضرت دروسا على بعضهم امثال الشيخ رمضان اللينى، والشيخ عمر بن مرزوق، والشيخ محمد بن تعاريت، فكانوا امثالا للعلماء المسلمين، سعة اطلاع، وغزارة مادة، وصحة عقيدة، وسلامة دين، وشدة ورع، ونصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم، وجهادا في سبيل الله، وكفاحا في نشر العلم، وقد كان غيرهم في الجزيرة كثير مثل الشيخ عمر العوام، والشيخ سليمان الجادوى وغيرهم.
وطبيعى ان هؤلاء العلماء في عصر المؤرخ الكبير الشيخ سعيد بن تعاريت لم يستطيعوا ان يقوموا بمثل ما كان يقوم به أسلافهم، لأنهم كانوا تحت حكم الاستعمار الفرنسى المتغطرس، ومهما بلغ الظلم والانحراف بالحكم من الأمراء المسلمين في كل العصور، فإنه لا يبلغ عشر ما جاء في الاستعمار الغربي للشرق الاسلامي. والفرق في هذا واضح فإن الأمير المسلم الظالم إنما يظلم لشهوة عارضة، إما للحصول على المال او للإنتقام أو التحكم وإظهار السلطة. أما الاستعمار الغربي فقد جاء بخطة تحويل ما في الشرق من خيرات إلى الغرب والقضاء على الدين الاسلامي القضاء الكامل والحاق هذه المة بالجنسيات الأوروبية، وتحويل حضاراتهم وادابهم ولغاتهم وما إلى ذلك مما يوحى به الشيطان عندما يخدع اعوانه لينطقوا للتخريب والافساد والفرق بين هذا وذاك. لا نسبة بينهما ومن المستحيل بطبيعة الحال ان نطلب ممن يعيش في مثل هذه الظروف ان يعمل مثل ما يعمل من يعيش في مثل ظروف اولئك العماء السابقين على مختلف عصورهم والفوارق بينهما.