الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٩٤كان عبد السلام عالما غزير المادة مستقلا برأيه لا يقلد غيره إذا بدت لهالحجة واتضح له البرهان وكانت له أراء خاصة لم يقل بها غيره من الفقهاء فيما أعلم، مر يوما على أهل أمسنان فأخبروه أن رجلا منهم أقر على نفسه بالزنا فأمرهم أن يحضروه ولما اعترف الرجل على نفسه بارتكاب الفاحشة أمرهم أن يأخذوه إلى مزبلة وأن يرجموه وحضر وقت صلاة الظهر وكان اليوم جمعة فخطب فيهم وصلى بهم صلاة الجمعة ثم ثم قال لهم إن الكتمان يأخذ من الظهور وأن الظهور لا يأخذ من الكتمان وهذا يعني أن الأمة المسلمة حين تكون ضعيفة مغلوبة على أمرها تنفذ ما تستطيع من أحكام الله أما إذا كانت الدولة مسلمة قادرة على تنفيذ الأحكام فإنها لا يجوز لها أن تتخلى عن تنفيذ أحكام الله. وهي نظرة اجتهادية لم أعلمها لغيره من الفقهاء.
وكان شديد الورع كثير الاحتياط اشترى يوما ما عددا من الخرفان من رجل في السوق فلما أراد دفع الثمن مد البائع يده وقال له (أرا) يعني هات وهي لهجة بربرية خاصة بصنهاجة. فخشي الشيخ أن يكون الرجل من صنهاجة وصنهاجة في ذلك الحين لا تتورع عن أموال الناس ودمائهم فدفع الثمن لصاحب الخرفان وتصدق بها على الفقراء والمساكين تحرجا من رزق صنهاجة لتجبرهم وغضبهم للناس أموالهم. وإنني استغفر الله من التعميم في هذا الحكم فلست اعتقد أن صنهاجة كلها على خلق واحد.
حين ارتحل أبو الخطاب من درجين إلى أجلو احب أن يزور أريغ وأن يستمع بصحبه أبي عبدالله أياما فلما وصله وجده مريضا على فراش الموت فجعل يتأسف ويظهر الجزع على فراقه فقال له الشيخ أقصر عن هذا يا عبد السلام وعليك بالدعاء وجعل يكررها حتى فاضت روحه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية.
فكان أبو الخطاب يقول مثلى مثل من يسير في شدة الحر قاصدا شجرة يتفيأ ظلالها فلما وصلها اقتلعت فأضحى ضاحيا ..