الإباضية مجد التاريخ وتاريخ المجد للمنصور
الجزء ١ · صفحة ٢١" وإنه ليقع حينما يشتد الظلم ، ويفسد المجتمع ، وتختل الموازين ، ويخيم الظلام أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعرف؛ ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه ، ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه ؛ بل يقع أن يصل فساد الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع عن نفسه ويقاوم ؛ ويسمون من يدفع عن نفسه أو غيره جباراً في الأرض كما قال القبطي لموسى. ذلك انهم ألفوا رؤية الطغيان يبطش وهم لا يتحركون ، حتى وهموا أن هذا هو الأصل، وأن هذا هو الفضل ، وأن هذا هو الأدب ، وأن هذا هو الخلق ! وأن هذا هو الصلاح ! فإذا رأوا مظلوماً يدفع الظلم عن نفسه ، فيحطم السياج الذي أقامه الطغيان لحماية الأوضاع التي يقوم عليها … .. إذا رأوا مظلوماً يهب لتحطيم ذلك السياج المصطنع الباطل ولولوا ودهشوا ، وسموا هذا المظلوم الذي يدفع الظلم سفاكاً أو جباراً ، وصبوا عليه لومهم ونقمتهم . ولم ينل الظلم الطاغي من نقمتهم ولومهم إلا القليل ! ولم يجدوا للمظلوم عذراً - حتى على فرض تهوره _ من ضيقه بالظلم الثقيل ! " ( في ظلال القرآن ج5/ص2683)
وقال الأستاذ علي يحيى معمر :
" والمؤرخ المنصف يجب أن ينظر إلى السبب الحقيقي المباشر لكل ثورة أو حدث أو فتنة ، والباعث عليها ، فليس الثائرون هم المخطئين دائماً ، وليس حقاً أن من تولى شأناً من شئون المسلمين يكتسب بذلك حصانة يستطيع أن يفعل داخلها ما يشاء من استغلال مجهود الناس " ( الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، الحلقة الثانية، القسم الثاني ، ص267 )
إن الذين قاومهم الإباضية ووقفوا أمام وجوههم طغاة جبابرة ذاقت الأمة الإسلامية منهم كل أنواع الشر والفساد. فقد نقل ابن أبي عاصم من طريق الحسن البصري : " قدم علينا عبيد الله بن زياد أميراً أمره معاوية فقدم غلام سفيه حدث السن يسفك الدماء سفكاً شديداً … ... " ( الآحاد والمثاني ،ج2/ص325 )