الإباضية مجد التاريخ وتاريخ المجد للمنصور
الجزء ١ · صفحة ٩وقال الشيخ علي يحيى معمر – رحمه الله تعالى – في موضع آخر من كتابه القيم: " لقد ثار … .وأي حر لا يثور؟ … . ولاقى الطاغي الجبار في قصر حاتم … . وكانت المعركة … . وشاءت إرادة الله أن ينتصر الحق والشهامة والمروءة! … . وأن ينهزم الطغيان المتكبر الجحود ! … فماذا كان من المنتصر ؟ … . ما هو موقف أبي منصور إلياس؟ … هل ذبح الأسرى؟ . هل قطع الرؤوس؟ هل انتهك الحرمات؟ : حرمات المحاربين، أو حرمات المسالمين، هل أطلق أيدي الجند للغنيمة؟ هل جمع الأموال ليستأجر بها المرتزقة ؟ أو ليبني بها القصور ؟ أو ليكدسها في بيت المال ؟ هل جمع الذهب الذي يتناثر في المعركة كما يتناثر الحصى؟ … .. ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك! . وعندما ولى العدو منهزماً ، وركب ابن طولون فرسه هارباً ، أوقف أبو منصور رحى القتال ، ثم أمر جيشه بالرجوع، هذا الجيش الذي يقاتل في سبيل الله لا يأخذ من الدولة مرتباً ، ولا من ساحات القتال غنيمة. ورجع أبو منصور بجيشه المظفر ، بريئاً من الانتقام، بريئاً من الظلم ، بريئاً من العدوان، نظيفاً من الدماء المسالمة، نظيفاً من الحرمات، نظيفاً من جميع الأموال … . وسار التاريخ ، لا يلتفت ، وفنى الذهب الذي سرقه ابن طولون من خزائن أبيه ليبني به عرشاً ، فنثره أبو منصور النفوسي في ميدان المعركة ، وفني ابن الأغلب ، رغم هذه الدنانير التي كان يفتش عنها بدقة ، ويجمعها بحرص . وفني أبو منصور أيضاً ، كما يفنى جميع الناس . ولكن هذا المثل الرائع ، الذي ضربه للحكام ، وهذه السيرة العطرة التي سار بها بين العدو والصديق ، وهذا الخلق الكريم ، الذي اقتبسه من أخلاق النبوة ، وهذا الدين القويم ، الذي يعصمه من الخطأ والزلل، هذه الصفات وما إليها، بقيت خالدة مع الإنسان ، توحي بالعبرة والذكرى لكل من يتولى أمر أمة. إن الشهامة التي يتصف بها أبو منصور، والعبرة التي تركها للأجيال، والقدوة الحسنة التي خلفها لقواد الجيوش،.