ديوان النبهاني
الجزء ١ · صفحة ١١٤بالجانب الأكبر من معارضات الشاعر وشاعر هذا، در به ودرب هذا شاعر من شعرائه لابد ان نرى تأثيرا متبادلا بينهما، فلاشك ان النبهاني قد تأثر بهذه المعارضات التي انتشرت انتشارا واسعا في ديوانه، ولكننا في ذات الوقت لانعدام أثرا للنبهاني في المعارضة نفسها كفن من فنون الشعر.
أثر المعارضة في شعر النبهاني:
6
الشاعر المعارض أقل ما يوصف به انه شاعر مطلع فلولا اطلاعه على كثير من دواوين الشعراء لما وجد هذا النوع من الشعر عنده. والنبهاني لم يعارض فئة معينة من الشعراء وإنما عارض العديد من الشعراء مختلفي السمات والعصور وخاصة شعراء العصر الجاهلي فمن يطلع على الديوان يجد نفسه تارة وسطهم بأساليبهم وصورهم البدوية المستوحاة غالبا البيئة، وتارة اخرى يجد نفسه مع شاعر أموي ينتقل به الى ذلك العصر وما فيه من لهو من وغزل لاه وعصبية قبلية او عنصرية وتارة ثالثة يجد نفسه في حانة. من حانات ابي نواس
شاعر العصر العباسي المعروف كما يلمس مظاهر الترف التي عرف بها ذلك العصر. وكان من أثر ذلك ان تنوعت اغراض شعره تنوع هذه الأغراض عند أولئك الشعراء فوجدنا شعر الفروسية والبطولة جنبا الى جنب مع شعر اللهو والمجون والخمر ومعهما انواع الشعر الاخرى التي وجدت عند الشعراء الآخرين كالفخر والوصف والحكمة والرثاء. . . الخ.
ولم يقتصر الأمر على موضوعات الشعر بل تجاوز ذلك الى الاساليب والصور الفنية التي اقتربت عنده كثيرا من أساليب وصور شعراء الجاهلية وذلك لكثرة اطلاعه على اشعارهم ومعارضته لهم، بل ان معظم قصائده تسير على نفس المنهج الذي عرفت به قصائد الجاهليين فالافتتاحيات غالبا غزلية يبكى فيها الشاعر على الاطلال متذكرا ما كان له مع صاحباته من ذكريات، واصفا محاسنهن وجمالهن مع ذم البين الذي فرق بينه وبينهن، ثم الخروج المفاجئ في غالب الأحيان الى موضوعه الأساسي، ثم الفخر اذا كان موضوع القصيدة الأساسي غيره، ولا بأس ان. قصيدته ببعض الحكم والمواعظ وان كان ذلك
قليلا ونادرا.
ينهي
ومن الآثار التي خلفتها المعارضات في شعره تلك اللغة السليمة التي لمسناها في الديوان فهو شاعر متمكن من أدواته وخاصة اللغة فخرجت معظم ألفاظه من المعجم العربي القديم وخاصة معجم شعراء الجاهلية وما هذا التمكن من اللغة إلا نتاج هذه المعارضات العديدة في ديوانه.
-112 -