منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ١٧٩منهج الدعوة عند الإباضية -
ثانياً: يبدو أنَّ الكاتب لم ينظر إلى المبدأ كمبدأ إسلامي، بقدر ما نظر إليه من كونه موقفاً خرج فيه من خرج عن علي، وكأنه يعيد إلى أذهاننا
قول القائلين: يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق.
على أنَّ الإمام علياً كرم الله وجهه اعترف مقتنعاً بأنها كلمة حق وإن أريد بها باطل. فليس العيب إذا في مبدأ الحاكمية الله، وإنما العيب في الهدف الذي يستخدم من أجله، علماً بأن الهدف نية حكم الإمام ببطلانها قبل ظهورها.
قال الإمام علي يرد على أولئك الذين رفعوا كلمة لا حكم إلا الله شعاراً: «كلمة حق يراد بها باطل. نعم لا حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا الله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر.» (1)
الواقع أن تأويل الإمام وتفسيره يحتاج إلى نقاش على ضوء الواقع التاريخي، لأنَّ الخوارج ماطبقوا مفهوم (لا إمرة إلا الله) فهم في كل تاريخهم ساروا تحت حكم أمير يسيرهم. وأكبر دليل تشبثهم بالإمام علي نفسه إماماً، ثم نصبهم عبد الله بن وهب الراسبي بعد خروجهم عن علي أميراً للمؤمنين، ولا نجد في تاريخهم كله ما يعني المفهوم الذي ذهب إليه الإمام علي من عدم الانقياد للرجال، بل إنَّ موقفعم ديني واضح، وهو عدم تحكيم الرجال فيما حكم الله فيه، وفيه قضى.
فهم عندما قارنوا بين أحقية الإمام علي للحكم وبين أحقية معاوية له وعرضوا ذلك على القرآن والسنة، لم يخالجهم الشك قط في أحقية الإمام علي بها. فتحكيم الحكمين وهما من البشر أمر مرفوض بعد أن حددت
1 - المصدر السابق ص 285.
- 179 -