منهج الدعوة عند الإباضية محمد بن صالح ناصر

منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة

الجزء ١ · صفحة ١٩١

منهج الدعوة عند الإباضية -

ويذل فيه المنكر، ويغدو كل فرد غير محتاج إلى رقيب أو حسيب لأن له رقيباً وحسيباً من نفسه، ومراقبة النفس معناها أخذها لتسير على الطريق

السوي، وإذا سار كل فرد على الصراط المستقيم استقام المجتمع كله. والدارس عندما يعود إلى الحكايات التي ترويها كتب التاريخ والسيرة والتراجم عن الشراة، يقرأ عجباً، مما جعل المؤرخين متفقين على وصف الشراة بأنهم: رهبان الليل وأسود «النهار»، وذلك الوصف البليغ الذي وصفهم به أحد قادتهم المشاهير أبو حمزة الشاري حيث يقول عنهم: شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم على آية من ذكر الجنة بكى شوقاً، وكلما مر بآية من ذكر النار شهق خوفاً كأن زفير جهنم بين أذنيه، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم، وصلوا كلال الليل بكلال النهار، مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من طول القيام، وكثرة الصيام أنضاء

عبادة.» (1).

من

هذا المنطلق الإيماني العميق كانت التعبئة الروحية ضرورة لازمة قبل التعبئة العسكرية، وكأنَّهم واثقون أنهم الفئة القليلة التي تواجه الفئة الكثيرة، فليس ثمة قوة توازن القوة العددية إلا القوة النوعية، ولن يواجه

سلاح العدد والعدة الكثيرة إلا بالتعبئة الإيمانية الروحية التي لا تنفد. من هنا كان لا بد من إعداد الأفراد والجماعات إعداداً روحياً أولاً وقبل كل شيء، بحيث تغدو تصرفاتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وفقاً وانعكاساً لعقيدتهم الإسلامية الثابتة، وأصولهم العقدية الراسخة.

1 سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية، ص 215.

- 191 -