منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤منهج الدعوة عند الإباضية.
وعزز ذلك الارتباط اعتناق مجموعات من قبيلتي هوارة وزناته للمذهب الإباضي وتخصص كثير منهم بالتجارة عبر الصحراء. (1)
فسرعان ما انتظمت تجارة الإباضية في زويلة تحت إمارة بني الخطاء منذ تأسيسها عام 762 م، وتوسعت تجارة الصحراء بقيام الدولة الرستمية في تاهرت عام 160 هجرية (766 م) فقد أشرفت هذه الدولة على المنطقة الصحراوية مابين سجلماسة (جنوب المغرب الأقصى) وزويلة التي دخلت ضمن دائرة نفوذها واهتم الرستميون بالتجارة وطرقها فحفروا الآبار للقوافل في المناطق الداخلية في الصحراء وأرسلوا الجنود بصحبة التجار لتأمينهم من الأماكن التي يخشى فيها من غارات البدو.
وارتباط الدعوة إلى الإسلام بالتجارة على هذا النحو المتداخل المتكامل يعد في حد ذاته من أهم العوامل المساعدة على انتشاره بين الأفارقة في تلك البلاد الواسعة، إذ إن التجارة ميدان عملي تمتحن فيه العقيدة والأخلاق والسلوك اليومي، فإن المرء في صراعه مع الإغراءات المادية لا ينتصر على هوى النفس ونوازعها نحو الربح الوفير السريع من أيسر الطرق وأدناها، إلا إذا كان يملك قوة إيمانية تعصمه من الوقوع في المزالق، والتجارة هي الميدان العملي الذي توضع فيه تلك القيم للامتحان مع الآخرين. وما من شك في أن أهل تلك البلاد عندما كانوا يتعاملون مع التجار المسلمين كانوا يلحظون ما يمتازون أو يتميزون به عن غيرهم مما يجعلهم يتساءلون عن القوى الروحية الخفية التي تقف وراء هذا السلوك وذلك ما يدفعهم إلى التعرف على الدين الإسلامي مقارنين بينه وبين ما هم عليه من بدائية
روتينية خلدون: تاريخ، ج 2، ص 286، محمد علي دبوز: المغرب الكبير، ج 3، ص 349.
-264 -
-