منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٤٥منهج الدعوة عند الإباضية -
الإسلام ورهبان الليل ليوث النهار … » (1).
أما جنايتهم على الحقيقة التاريخية فتعود إلى انسياق اللاحق من أولئك الكتاب إلى السابق، دون نقد أو تمحيص، ظناً متهم أنَّ ما جاء في تلك الكتب هو الحق، فكيف خفي عنهم أنَّ أغلب ما ألف في عصور الفتنة أو عنها ولاسيما في العصرين الأموي والعباسي إنَّما يخضع لدواعي وأسباب غير موضوعية أملتها العواطف الملتهبة مذهبية تارة وطائفية أخرى، فالعصبية كانت الظاهرة الاجتماعية المتحكمة في تلك الكتابات، وبعض تلك الكتب كانت تؤلف لتُهدَى لهذا الحاكم أو ذاك، فهل يعقل في تلك الظروف أن يكتب الكاتبون شيئاً يخالف هوى الحكام ومذاهبهم، علماً بأن السلطة الأموية لم تكن تتورع في وضع الأحاديث الكاذبة، ودس العيون والجواسيس لتنفر الناس عن هؤلاء الذين صمدوا أمام جبروتهم مطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم، وذلك حتى لا تتحد بهم القوى الساخطة الأخرى مثل: الشيعة والتوابين، وقد عبر زياد بن أبيه في خطبته
البتراء المشهورة عن هذا المنهج العنيف قائلا: إنه سيأخذ البريء بالمذنب، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، إلى آخر ما جاء في خطبته التي لم يقف أمامها سوى الشاري الإمام بلال بن مرداس، وهو ما جعل زياداً يتوعده هو وأصحابه قائلاً: «والله نن نبلغ منك ومن أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضاً» (2).
-1
- يراجع المبرد: الكامل في اللغة ج 2 في صفحات متعددة، وانظر ملحق النصوص من
هذا البحث.
2 الجاحظ: البيان والتبيين تهارون، ط 3 القاهرة، ج 2، ص 62 - 65. وانظر المبحث الخاص بأبي بلال من هذا الكتاب.
-45 -