منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٩٣منهج الدعوة عند الإباضية.
أبعاد هذا النظام العجيب الذي لم يكن كتمانا عن خوف، أو سرية عن جبن، بل هو كتمان من أجل الوصول إلى مرحلة الظهور، وسرية حفاظاً على وحدة الجماعة، وتماسكهم أمام خصومهم، حتى لا يأخذهم على غرة أو فرقة. وقد عرف منهم شخصيات مرموقة، بلغت أعلى المناصب لأداء رسالة الشراة وإبلاغهم بما عساه يقع من أخطار محتملة.
فقد عرف عنهم صالح بن عبد الرحمان كاتب الحجاج وصاحب دواوين، العراق، والذي قلب الدواوين إلى العربية، ثم كان على خراج العراق أيام ولي يزيد بن المهلب فأشجى يزيد، وقد كان يزيد بن أبي مسلم المقرب من الحجاج أيضًا يرى رأيهم ويتظاهر بغيره (1)
ومن هذه النظم الدالة على حس سياسي وتنظيمي دقيق، أنهم كانوا يبثون العيون والأعوان حتى في أشد مواقع الحكم والسلطان عداء
وخطراً.
فإن أبا بلال مؤسس هذا النظام كان من قواعده بث العيون في مجالس زياد وابنه عبيد الله، فكان هؤلاء الأعوان يخبرونه بما يعزم الحاكم عليه من إجراءات ضد الشراة قبل أن يباغتوا بها. حتى كان يتخذ الحيطة والحذر، ذلك مثلاً أن غيلان بن خرشة الضبي، سمر ليلة عند زياد ومعه جماعة، فذكر أمر الخوارج، فأنحى عليهم غيلان، ثم انصرف بعد ليل إلى منزله، فلقيه مرداس بن أدية فقال له: ياغيلان، قد بلغني ما كان منك الليلة عند هذا الفاسق من ذكر هؤلاء القوم الذين شروا أنفسهم وابتاعوا آخرتهم بدنياهم، ما يؤمنك أن يلقاك رجل منهم أحرص ـ والله ـ على الموت منك على الحياة، فينفذ حِصْنَيْك برمحه» فقال غيلان: «لن يبلغك أني ذكرتهم
1 - المبرد: الكامل، ج 1 مكتبة المعارف بيروت (و. ج) ص 355.
-
- 93 -