الفكر العقدي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨الفصل الثالث
308
فما مدى تأثير هذا الوسط السياسي على موقف الإباضية من مسألة
خلق القرآن؟
أ - موقف، إباضية المغرب من خلق القرآن:
، (1).
كان المغرب الإسلامي أقل تطورا في الناحية الفكرية والسياسة من المشرق، ذَلِكَ لأَنَّهُ حديث العهد بالإسلام وبالحضارات، ويعيش في وسط دويلات، بينما المشرق كان تحت سيطرة نفوذ دولة واحدة، وإن شذ إقليم أو أكثر، وهذا ما سبب محاولة استفادة المغاربة من المشارقة، بالاحتكاك في الحج، أو من خلال إرسال بعثات أبناء المغرب إلى المشرق، وهو ما وقع لإباضية المغرب حين توجه ابن الإمام الرستمي أبو اليقظان محمد بن أفلح إلى الحج، فاختطفته أيادي العباسين وزجوا به في السجن (1)، فعاش في بغداد فترة غير قصيرة، ولا نعلم هل كانت في عهد الخلفاء العباسيين الثلاث؛ المأمون والمعتصم والواثق (من 198 إلى 232 هـ) أم بعدهم؟ لَكِنَّ من المعلوم أنه قد أفرج عنه قبل سنة 261 هـ، حين تولى فيها إمامة تيهرت مِمَّا يبدو أن سجنه كان بعد الواثق، لأن أبا اليقظان تبنى رأي القائلين بخلق القرآن فمن المستبعد أن يدخل السجن في عهد الخلفاء الثلاث، لكونه ابن إمام حاكم خارج سلطتهم، مع أَنهُ مناصري أهم قضية شغلت بال الدولة العباسية في تلك الفترة، فترجح إذن أَنهُ دخل السجن بعد سنة 232 هـ، حين كانت الكفة لصالح القائلين بقدم القرآن، وَأَنَّهُ كلام الله ولا يقال فيه مخلوق، فيحتمل أَنه قد تأثر بسجناء المعتزلة معه (2)، أو أن موقفه هو رد فعل للذين أدخلوه السجن؛ وتبقى هذه الاحتمالات
16 (2)
من
(1) معجم أعلام الإباضية: 753/ 4. (2) كوبر لي ممن يرى أن أبا اليقظان احتك برؤوس المعتزلة في عهد ازدهارهم، 221: