الفكر العقدي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠الفصل الثالث
350
لا أحد يجزم بمصير الخلق من النعيم أو العذاب غير النبيء، ويكفي للعاقل أن يذكر مصير صنيع من قام بعمل ما حسب الأدلة السابقة وغيرها، دون أن يشهد الجنة
ويجزم بمصير الشخص، وفي منع الشهادة على الناس والجزم بمصيرهم من والنار غلق لباب الدروشة والتطاول على المسلمين.
على المسلم أن يكثر من الاستعاذة من النار حتى اللحظات الأخيرة من عمره، فجابر بن زيد لما حضرته الوفاة دخل عليه الحسن البصري فقال له: يا أبا الشعثاء قل: لا إله إلا الله، فرفع جابر عينيه فقال: أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار، فكرر له الحسن الطلب فأجابه بنفس الإجابة الأولى، ثُمَّ قال: يا أبا سعيد: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} (سورة الأنعام: 158) فقال الحسن: هذا والله الفقيه العالم).
يجدر بنا بعد عرض المسائل العامة المتعلّقة بالجنة والنار أن ننتقل إلى المسائل
الكلامية ونرى ما قال فيها علماء الإباضية من فترة البحث.
1 - مكان الجنة: استدل هود بن محكم على أن الجنة في السماء بتفسير عبارة "عند ربهم" من قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (سورة الأنعام: 127) بِأَنَّ دار السلام في السماء، ويُؤَكِّدُ هَذَا القول أَنَّ القرآن وظف عبارة "عند ربهم" بمعنى في السماء، في قول امرأة فرعون رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (سورة التحريم: 11)، وكذلك في قوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكَ مُقْتَدِرٍ} (سورة القمر: (55) فعند مليك" بمعنى في السماء، فثبت بذلك أن الجنة في السماء (2).
(1) الدرجيني: طبقات المشايخ 207/ 2
(2) هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 558/ 1.