الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الفكر العقدي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٧٤

الفصل الثالث

374

فعمران كأَنَّه يقصد التكليف بما لا يطاق، لأن الله يأمر بشيء لعبده ويمنعه من الوصول إليه، فأراد الربيع أن ينزع شك تكليف الله بما لا يطيقه العبد من خلال تقرير مفهوم التوفيق الإلهي، الذي يفضي إلى إعطاء الحرية للفرد في الاختيار.

د - القدر والمقدور:

(2)

اختلف العلماء هل يعذب الله على القدر أم المقدور؟ علما أن القدر هو فعل الله، أما المقدور فهو فعل العبد، لقول الله سبحانه وتعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مقدورات (سورة الأحزاب: (38) (1). وقد انفرد الدرجيني برواية مناظرة بين واصل بن عطاء وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في النقاش حول القدر والمقدور، جاء فيها أن واصلا قال لأبي عبيدة: «أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر، فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت لكن قلت: إن الله يعذب على المقدور» (3) فقول واصل بتعذيب الله على القدر بمعنى تعذيب الله العبد على ما كسبت يده؛ لأَنَّهُ خالق المعصية بفعله، بينما قول أبي عبيدة يفيد أن قدرة الله تعالى في فعل العبد مقدورا الله تعالى مخلوقا له، وأن قدرة العبد ثانوية. ثُمَّ نبه أبو عبيدة واصلا على أن رأيه يفضي إلى أن الله يعصى كرها؛ لأن الله يُعصَى وهو ينهى عن المعصية التي لم

(1) السالمي: حاشية الجامع الصحيح: 125/ 1 في نفس السياق يورد السالمي مصطلحا آخر يرى فيه أن الله لا يعذب الناس على القضاء وإِنما يعذبهم على المقضي، لأن القضاء فعل الله وإمضاؤه الشَّيْء وحكمه حكما جازما، بينما المقضي هو فعل العبد الذي هو كسبه لما قضاه الله في الأزل، انظر: حاشية الجامع الصحيح: 125/ 1.

(2) واصل بن عطاء الغزال، أبو حذيفة (ت: 131 هـ) من أيمة المعتزلة له تصانيف منها: أصناف

المرجئة، والمنزل بين المنزلتين، انظر الزركلي: الأعلام: 8/ 108، 109.

(3) الدرجيني: طبقات المشايخ: 246/ 2.