الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الفكر العقدي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٧٩

379

الآراء العقدية عند الإباضية

- واجه أبو عبيدة مسلم ومعه أبو مودود حاجب الطائي تلامذتهما الذين خالفوهما، وراحوا ينفون القدر ويثبتون الفعل للعبد، وهم: حمزة الكوفي، وعطية الخراساني، وغيلان الدمشقي، والحارث (1)، ومن بين هؤلاء نجد أن حمزة الكوفي قد احتج على أبي عبيدة باعتياد نسبة الإرادة والمشيئة والحب والرضى إلى الإنسان على أَنَّهَا أفعاله صادرة منه، فرد عليه أبو عبيدة بأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد تكون صحيحة مع اعتبار إثبات القدر، لأن فعل العبد لاحق بعلم الله، بخلاف القول بإثبات الفعل إلى الإنسان دون إثبات القدر إلى الله يعني نفي القدر وبأن العبد خالق لفعله (?). وقد احتج حمزة كذلك على شيخه حاجب الطائي بآيات من القرآن ظاهرها يفيد نسبة الحرية المطلقة إلى أفعال العباد، فأورد قوله تعالى (3): ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نفْسك﴾ (سورة النساء: 79)، وقوله أيضا: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (سورة البقرة: 286) ويُفهم من استدلال حمزة بالآيتين أنه أن الله يعتبر أسند السيئة إلى نفس العبد والحسنة إليه وفي إسناد السيئة إلى نفس العبد دليل على أَنَّهَا من خلق العبد، إذ لو خلقها الله لأسندها إلى نفسه، وقد فهم حاجب الطائي هذا من تلميذه حمزة فرفض استدلاله بالآيتين، وقال له: «أَمَّا من غيرك فمقبول منه هذه الجملة، وأَمَّا منك فأنا أعرف مذهبك فيه أولا» (4)،

(1) الشماخي السير: 105، 120؛ وقد أبعدهم الإباضية عنهم وتبرؤوا منهم، انظر: علي يحيى

معمر الإباضية دراسة مركزة: 72.

(2) الدرجيني: طبقات المشايخ 241/ 2. (3) الدرجيني: المصدر نفسه: 244/ 2 (4) الدرجين نفسه.