الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الفكر العقدي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٨٢

الفصل الثالث

382

مثل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبلة الأَوَّلِينَ (سورة الشعراء: 184) فالجبل مصطلح يحاول أن يثبت علم الله لأفعال العباد دون أن يكون هناك جبر، لكن يبدو أن الجبل ما هو إلا تخفيف لمفهوم الجبر، لأن الجبل يقتضي أن العبد مخلوق فطريا لأن يفعل ما كان في علم الله الأزلي). ويرى الأستاذ وينتن أن ركون أهل جبل نفوسة إلى الجبل جاء نتيجة رفضهم لنظرية الكسب التي تخرجهم عن موقف سلفهم الإباضيَّة)، وقد كان الأستاذ محقا في استنتاجه ذلك، لأننا قد رأينا أن إباضيَّة فترة البحث يميلون إلى تفسير القضاء والقدر بالقول بعلم لله الأزلي السابق لفعل العبد، وهذا التفسير فيه جانب من الجبر قوي، ثُمَّ إِنَّهُ

يقترب من مفهوم الجبل الذي اعتمده أهل جبل نفوسة، لكن هذا لا يعني يعني أن

الإباضية جبرية، فهذا بعيد جدا؛ لأنهم يرفضون الجبر، ويردون على الجبرية،

ولهم عدة مواقف وآراء تثبت الاختيار للإنسان حسبما رأينا، وإنما ما يستفاد من إثبات الإباضيَّة لعلم الله الأزلي هو محاولة الخروج من القول بالاختيار المطلق والجبر المطلق (3)، علما أن أي تفسير للقضاء والقدر عند المسلمين من السهولة

(1) النامي: دراسات عن الإباضية: 137. (2) وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية: 372؛ يحدد وينتن موقف سلف الإباضية بأنهم على منهج الصحابة، وأنهم آثروا التسليم بأصول يبنون عليها القول في الموضوع، وهي: الإيمان بقدرة الله تعالى وعلمه وإرادته واليقين في عدله وعدم ظلمه مع عدم إنكار شعور الإنسان بمقدرته على الفعل والترك، المرجع نفسه: 379. (3) من الآراء الإباضيَّة التي نستثنيها في عدم نهجها أسلوب الوسطية في الموضوع، أحد رأيي جناو بن فتى، الذي أقر فيه بالجبر، حيث قال: «وما شاء الله لا بد أن يكون، وما شاء ألا يكون لا يكون ألا له الخلق والأمر في الخلق، وقد سب قوما قبل أن يخلقوا، وذمهم وأثنى على قوم وهم لم يخلقوا ألا تراه ذكر نبيئه الله، وأثنى عليه بفعله في التوراة والإنجيل باسمه قبل كون شخصه، ونعت أصحابه باتباعه فقال: محمد رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى