الفكر العقدي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٨٣383
الآراء العقدية عند الإباضية
بمكان أن يُحكم عليه بالجبر أو بنفي القدر، لكن بعد استصحاب جملة من الأقوال والتعابير التي تؤكد حرية الإنسان وتنفي الجبر عن الله فإنه بالإمكان حينئذ أن يصل الباحث إلى الحقيقة، ويبرأ من أحد الاتجاهين غير الصحيحين. وسبب هذا الغموض في تحديد الرأي الوسط عند تحليل نصوص الكتاب والسنة راجع إلى كون الأدلة متعددة، بعضها يفيد الجبر، والآخر يفيد الاختيار، مما يجعل المفسر يقع حتما في المحظور، ولا يخرج منه إلا باستصحاب معنى آخر يستنتجه من غير الدليل الذي يقوم بتحليله، فهذه حكمة الله اقتضت تعدد الأدلة وإخفاء حقيقة الأمر على عباده؛ حتى يختبر إيمانهم وعملهم، ويدركوا أن القضاء والقدر من غيب الله تعالى الذي استأثر به، وأن الواجب على العباد هو الاجتهاد في العمل خلال ما يأنسون من أنفسهم من إرادة وقوة واستطاعة أثناء اختيار القيام بالطاعة أو المعصية.
من
والخلاصة أن تفسيرات الإباضيَّة للقضاء والقدر تتجه إلى محاولة إثبات علم الله بأفعال العباد، ومشيئته في عدم الأمر بالمعصية، وتوفيق عباده إلى الاختيار السليم، واعتبار أن قدرة الله في فعل العبد مقدورا ومخلوقا لله، بينما قدرة العبد ثانوية، وأن المعصية تأتي من فعل العبد وفق اختياره. وأما مواقفهم فتعتبر سطحية
الكفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم الله (سورة الفتح (29)، وقال: تبت يدا أبِي لَهَبٍ وتَب} (سورة المسد (01) فكرر عليه الشتيمة، والسورة مكتوبة في اللوح المحفو قبل أن يخلق آدم، وقال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِين} (سورة يس (12. وأثنى على النبيء قبل كون شخصه فقال: النبي الأمي الذي يَحدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجيل (سورة الأعراف: 157)، فنسب إليه الأمر والنهي قبل أن يُخلق، وذم قوما فقال: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ (سورة المؤمنون: (63) فنسبها إليهم قبل أن يعملوها»، انظر: جناو بن فتى أجوبة علماء فزان: 93، 94.