الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الفكر العقدي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٨٦

الفصل الثالث

386

الله

- وحرصا من الفزاري على الابتعاد من دائرة الجبر فقد ذهب إلى «أن الله خلق الكفر والإيمان، وخلقهما غيرهما» (1)، فهو يفرق بين خلق الله للشيء وبين ذلك الشيء المخلوق، فخلق الله للشيء يعني التقدير والجعل والتسمية له، وأن يقول له كن فيكون، بينما الشَّيْء المخلوق هو ناتج عن الخلق، وفي ذلك يقول عن الإيمان والكفر: «الإيمان والكفر فعل العباد والله خالق لهما على جهة أَنهُ المقدر لهما، وليس على جهة الشَّيْء الذي لا ينبغي لأحد أن يظن أن غير صنعه كالسماوات والأرض … وليس كذلك خلق الكفر والإيمان (2)، فكأن الفزاري يشير إلى أن خلق الكفر والإيمان هو من خلق الله تقديرا ومن العبد اختيارا محضا. ويمثل لهذا الخلق بتحويل حلي الذهب إلى سلسلة دون أن يتحول جوهر الذهب، فالذهب قد قدَّره الله وحوله الإنسان بفعله، وكذلك الكفر والإيمان خلقهما الله وتصرف فيهما الإنسان محض اختياره. وعليه فإن الله لا يعذب على قضائه ولا على خلقه، وإنما يعذبهم على أعمالهم التي قضى بها (3)، علما أن خلق الله وقضاءه غير أعمال العباد.

عليهم

فتحليل الفزاري للقضاء والقدر جاء عميقا ومستوفيا لحيثيات الموضوع في كتابه القدر)، ويعتبر موقفه وسطا بين الجبر المحض والاختيار المطلق.

(1) الفزاري: المصدر نفسه: 40 و.

(2) الفزاري: المصدر نفسه: 40 و.

(3) الفزاري: المصدر نفسه: 43 و.

(4) رأي الفزاري في القضاء والقدر جدير بالدراسة والتحليل من خلال ما ورد في كتابه القدر أو

في كتابه: الرد على ابن عمير (مخ): 64 و؛ أو من خلال ما جاء في رد أحمد الناصر لدين الله

عليه في كتاب النجاة: كله.