الفكر العقدي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٨٨الفصل الثالث
388
معه
يقولون: إن الاستطاعة مع الفعل للفعل، وليس هي مع الفعل للفعل، وليس هي قبله ولا بعده ولا هي استطاعة واحدة، ولكن هي استطاعات كثيرة، لِكُلِّ فعل فعله استطاعة محدثة؛ للطاعة، استطاعة وللمعصية استطاعة، واستطاعة الطاعة غير استطاعة المعصية» (1). ويقصد باستطاعات كثيرة أنَّها استطاعة متجددة مع كل فعل، تبتدئ مع الفعل وتنتهي لتتجدد استطاعة أخرى مع الفعل اللاحق. وإلى هذا الرأي مال جمهور الإباضية بعد فترة البحث (3)، بينما انفرد ـ حسب علمنا ــ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي يرى أنه لا مانع من كون الاستطاعة قبل الفعل وأثناءه، فيقول: «لا أقول: من يستطيع أن يأتي بحزمة من حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلي ركعتين، ولا أقول: إنه يستطيع إلا بعون الله وتوفيقه، يعني أنها قبل الفعل ومعه»)، فأبو عبيدة يقر أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل ومعه، بتوفيق من الله وليس بجبر منه، وقول أبي عبيدة يوافق قول المعتزلة في كون الاستطاعة قبل الفعل، ولكن لا يوافقه في مفهوم هذه الاستطاعة، ذلك أن المعتزلة قررت سبق الاستطاعة الفعل على أساس الحرية المطلقة لفعل العبد، وعلى أساس قدرة خلق فعله، بينما أبو عبيدة يركز في سبق الاستطاعة الفعل على توفيق الله وهدايته لفعل العبد إلى إتيان الطاعة أو النهي عن المعصية، وقوله يوافق إلى حد
(1) الثاني ضمن مجموع رقم ف 27 مكتبة الاستقامة: 5 و. (2) دارت مناظرة بين وائل بن أيوب الحضرمي وبين كهلان المعتزلي حول تجدد الاستطاعة لِكُلِّ فعل أم استمراريتها، إذ نجد وائل يحاجج كهلان على فناء الاستطاعة مع كل فعل لأنها لو كانت باقية لوجب ألا يتوقف الإنسان لحظة عَمَّا عدد من التقوى انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 470/ 2 نقلا عن يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 80.
(3) الجعبيري: البعد الحضاري: 474/ 2. (4) الدرجيني: طبقات المشايخ 241/ 2.