الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الفكر العقدي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٤٤٢

الفصل الثالث

442

أما إذا تمادى صاحب الصغيرة في معصيته من غير استحقار للذنب، (تهاونا أو تسويفا) فإن مصيره لم يتضح لنا من خلال ما لدينا من النصوص (1)، لكن ترجح لدينا عدم إحباط عمله الصالح، لما سنستعرضه من أدلة، وهي: أولا: لم تبين النصوص التي بين أيدينا من فترة البحث مصير الثابت على المعصية مع عدم استحقارها في حين أن أمرا عقديا بمثل هذه الخطورة يتطلب توضيحا جيدا من العلماء، مع بيان أدلتهم، وبخاصة وأن إحباط العمل الصالح لصاحب الصغيرة المصر من غير استحقار لها يتعارض مع يسر الدين، وأن هذا الإصرار مظنة وقوع غالب المسلمين فيه من الذين يخلطون عملا صالحا وآخر سيئا، ثُمَّ إنا لو سلمنا بهذا المصير فسيؤدي هذا إلى الحكم على كل مسلم أتي بالطاعات والفرائض، وارتكب صغيرة فداهمه الموت ولم يتب منها، بأنه من أهل النار، وهذا ما لم يأت به نص من الكتاب ولا السنة -حسب علمنا- كما لم نجد في

أقوال علماء الإباضية من فترة البحث من يذهب إلى هذا الفهم، والله أعلم.

(1) انظر مثلا نص محبوب بن الرحيل ومن زواجره [تعالى] زواجر من أصاب منها شيئا لم يحبط عمله، ولم يكن كافرا، ولم يحق ما حق على راكب الكبيرة الموبقات المهلكات، ما لم

يتخذها دينا فيذكرها فيصر عليها ولا يتوب منها الدرجيني: طبقات المشايخ 279/ 2. (2) وعلى هذه النتيجة يحمل قول أبي عبد الله محمد بن روح (ق: 3 و 4 هـ)، «المسيء من عباد الله من ختم عمره بالإصرار، ولو على مثقال ذرة. فالمسيء يوم القيامة لا يقبل الله منه حسنة، ولا ثواب له عليها يوم القيامة، إذ كان في حكم الله أن حسنات المصر محبوطة»، انظر: محمد بن روح إملاء محمد بن روح ضمن جامع ابن جعفر) 86/ 1، فابن روح يتحدث هنا عن المسيء، والسيئة تفسر عند بعض علماء الإباضيَّة بأنها الكبيرة، انظر: وينتان: آراء الشيخ اطفيش العقدية 398 399 كما يحتمل أن يكون الإصرار في النص بمعنى الرغبة عن التوبة، لا الثبات على المعصية، والله أعلم.