الفكر العقدي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٥٦الفصل الأول
56
المتجه إلى نفس المكان فحاورهما أبو بلال وعرض عليهما مبدأه قائلاً: «أبلغوا من لقيتم أننا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروع أحدا ولكن هربا من الظلم، ولسنا
نقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطيتنا» (1).
اقتنع قادة الجيشين بمبدئه و لم يمسوه بسوء، فَلَمَّا علم ابن زياد بذلك أرسل إليه "عباد بن أخضر (2) ومعه أربعة آلاف جندي ليرد الشراة إليه أو يقاتلهم،
موقع القتال مع هذه الطائفة المستضعفة التي خافت على نفسها فهربت برأسها لا تطلب غير العافية، لكن عبيد الله لم يشأ أن يرى أحدًا من رعيته يُظهر ذرة من كره ضد ولاة بني أمية، فكيف بالخروج عليهم بالسلاح، فقتلهم أجمعين ما بين راكع وساجد (3).
يبقى السؤال مطروحا بعد هذا العرض من هو المنظر والمرشد الجماعة الشراة؟ مما هو معلوم أنَّ أبا بلال مرداس لم يكن رجلا متفرغا للعلم والفتوى لأنه منشغل بالدعوة، يسعى لنشرها بكُلِّ وسيلة، فلا شك أن مبادئه التي دعا إليها، وإحداثه إمامة السُّراة، ثُمَّ الخروج دون أن يظلم أحدا، لم تكن هذه المبادئ لتتبلور لولا وجود عقل يخطط لها، ويؤصل لهذه التحركات. ثُمَّ إِنَّ الدعوات التي
(1) الدرجيني: طبقات المشايخ 219/ 2 220 انظر: الشماخي: السير: 64؛ د/ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية: 89. (2) عباد بن علقمة المازني التميمي (ت: 61 هـ) نسب إلى الأخضر وهو زوج أمه، انظر: الزركلي: الأعلام: 3/ 257. (3) ابن خلدون تاريخ ابن خلدون 309/ 3؛ الدرجيني طبقات المشايخ: 221/ 2، 222؛ الراشدي مبارك بن عبد الله بن حامد الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه: (45 145 هـ)، سلطنة عمان: 1992. ص: 26.