الفكر العقدي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٢الفصل الأول
62
عليه الالتزام بمبادئ المحكمة والسير على توجيهات الإمام جابر، لكن ابن الزبير
رفض هذه العروض فتركه وشأنه (1).
ومع غياب زعيم سياسي وحربي مواجه للحكم الأموي مثلما كان عليه أبو بلال، ظهرت على الساحة السياسية شخصيات عديدة كشفت عن نفسها وسعت للحصول على قيادة أتباع المحكمة، مع عدم الاستعانة باجتهادات
الغطاء،
الإمام جابر ورفض مبادئه، فكان على رأس هذه الشخصيات: أبو راشد نافع بن الأزرق (2) الذي أعلن ثورته واتخذ موقفا متطرفا، وانسلخ بأتباعه من المجتمع الإسلامي مدعيا أَنَّ الجميع صاروا مشركين، وأنَّ ديارهم ديار حرب، والراية هي راية القتال)، فكان هذا الحدث أول انشقاق خطير في صفوف أتباع المحكمة. ونحسب أنَّ سبب ظهور نافع راجع إلى حب الزعامة وعدم الصبر على اضطهادات ولاة بني أمية المنصبة على كل من تشتمُّ منه رائحة المعارضة لحكمهم، فصار بذلك ينحرف شيئًا فشيئًا عن مبادئ المحكمة، وعن اجتهادات الإمام جابر المنظر السياسي والمفتي العام للحركة، حتى وصل به الأمر إلى قتل الخصوم دون سابق إنذار، ولمجرد كونهم لا ينتمون إلى جماعته، فكان لمبدأ نافع صدى كبيرا في العامة من المحكمة، نظرا لحقدهم على بني أمية الذين نكلوا بأصحابهم وأقاربهم، وقد انساق مع هذا التيار ذات مرة - عبد الله بن إباض، فقد عزم ذات ليلة على
(1) النامي: دراسات عن الإباضية: 28؛ مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية في المشرق:60. (2) نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، أبو راشد (ت: 65 هـ) شارك مع عبد الله بن الزبير ضد الأمويين ثُمَّ اعتزله لَمَّا لم يرد ابن الزبير أن يتبرأ من عثمان بن عفان، وقاتله المهلب بن أبي
صفرة لما أخذ نافع في قتل الناس، انظر: الزركلي: الأعلام: 351/ 7 352. (3) النامي: دراسات عن الإباضية: 29.