الفكر العقدي عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٩المبحث الثاني
انتشار الدعوة الإباضية في المغرب
بعد عهد تأسيس المذهب الإباضي على يد الإمام جابر بن زيد، وبروز زعماء سياسيين وحربيين تبنوا مبادئ هذا المذهب وأعلنوها في البصرة، من خلال الخروج مع جماعة الشراة كما فعل أبو بلال، أو عن طريق المجادلات والمراسلات كما انتهجه ابن إباض .. جاءت فترة الاهتمام بنشر هذه الدعوة في الآفاق والترويج لها في المشرق والمغرب، وكان الإمام أبو عبيدة هو الرجل الأَوَّل في الحركة الذي وهب حياته لخدمة هذه الفكرة، وسعى لها بِكُلِّ تان ورويَّة حتى أتت أُكلها بعد حين، فاعتنق المذهب الإباضي جملة من المسلمين انقادوا لآرائه
العقدية والفقهية وارتاحوا لمبادئه الدعوية والسياسية.
فمن الطبيعي لأصحاب الدعوات المضطهدة في المشرق تحت سيطرة الحكم الأموي أن يسعوا جاهدين لإيجاد متنفس لحركاتهم، يدعون فيه بحرية واطمئنان، وهو ما حدث بالفعل مع الدعوة الإباضية والصُّفرية اللتين اختارتا أن تبنيا كيانهما خارج البصرة، وبالضبط في المغرب.
وساعد على استقرار الدعوتين في ربوع البربر (1) تذمرهم من ضغط ولاة بني أمية عليهم، وكرههم الانقياد للحكام بالشدة والظلم، فبمجرد أن تفطن بعض الدعاة إلى هذا الوسط الملائم، والنائي عن جيوش السلطة الحاكمة في الشام، حتى
(1) يتكون بربر المغرب من قبائل نفوسة هوارة لماية زناتة سدراتة، زواغة، لواتة، ورفجومة، كتامة، وصنهاجة … انظر ابن خلدون تاريخ ابن خلدون: 6/ 184. (2) يحكي ابن خلدون عن ولاة الحاكم الأموي هشام بن عبد الملك على المغرب فيقول: «اتصل أمر ولا يتهم وساءت سيرتهم في البربر، ونقموا عليهم أحوالهم»، انظر: المصدر نفسه: 239/ 6.