الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الفكر العقدي عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٩٥

95

الإباضية: نشأتها وانتشار دعوتها

ونحتمل أن عودة ابن الأشعث إلى القيروان لم يفصله عن أحداث تاورغا سنة 144 هـ زمن طويل، ذلك لأنَّ المؤرخين (1) يوردون أحداث حصار ابن الأشعث لابن رستم والمشايخ بسوف أجج" عقب معركة تاورغا مباشرة، ولأننا نجد أن أبا زكرياء يؤرخ لإمامة دفاع أبي حاتم بسنة 145 هـ، وهذا يجعلنا نحتمل أنَّ هذه الإمامة قامت لصد أنظار الجيش العباسي عن المشايخ الذين رحلوا إلى سوف أجج، ويؤكد هذا أَنَّ جيش أبي حاتم مكون

(2)

من عوام البربر دون رؤسائهم، فإذا صح هذا الافتراض- والله أعلم بالحقيقة فإننا سنثبت أنَّ الإِباضيَّة وعلى رأسهم ابن رستم بقوا في جبل سوف أجج مدة تزيد على عشر سنوات، يعدون العدة، ويخططون بدقة متناهية، ويفكرون بعقلانية متأنية لدولة جديدة قوية ليست على غرار الإمامات السابقة التي تفتقر إلى التخطيط المحكم، وتعتمد على القوة أكثر مما تعتمد على الرزانة والتحليل، ومدة عشر سنوات أو أكثر كافية للتخطيط لكل صغيرة وكبيرة لهذه الدولة التي نظر لها الإباضيَّة حتى تستمر مدة طويلة، وتحكم حقبة من الزمن ليست بالقصيرة. لأنَّ الإباضيين في المغرب أنهكتهم الحروب، وأعيتهم الثورات المتكررة، فتتطلعوا هذه المرة إلى الاستقرار والدعة والاطمئنان، تحت نفوذ سلطوي إباضي يحميهم، ويحمي ممتلكاتهم واقتصادهم، وهو ما سنرى آثاره مع الدولة الإباضيَّة الأولى في المغرب التي لها كل المميزات والمواصفات التي تتغنى بها الدول في التاريخ الإنساني والإسلامي صفة خاصة.

(1) أبو زكرياء المصدر نفسه: 77/ 1؛ الدرجيني: طبقات المشايخ: (2) أبو زكرياء سير الأيمة: 78/ 1.

36/ 1