فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

فصل

وأما قوله عز وجل: وَالفُلكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ) (23)، وهو على ماتقدمه (24)، ومعناه السفن، واحده وجمعه سواء، فاذا أريد به الجمع يؤنث في الواحد ويذكر لقوله عز وجل في الواحد والتذكير إِذ أَبَقَ إِلَى الفُلْكِ المَشحُونِ (25)، نزعت الهاء لأجل الواحد والتذكير، وقال في الجمع والتانيث: (حَتَّى إِذَا كُنتُم فِي الفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) (26)، والآية في الفلك تسخيرها وجريانها في الماء، وهي محفوظة لاترسب تحت فتجري بما ينفع الناس من ركوبها والحمل عليها والمسافرة من بلد الى بلد للتجارة والمكاسب وأنواع المطالب من الله، وفضله على خلقه. وقوله عز وجل: {وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَاحْيَا بِهِ الأَرضَ بعد موتها (27)، يعني المطر، وقيل: أراد بالسماء السحاب يخلق الله الماء في السحاب، ثم ينزله من السماء الى السحاب، ثم من السحاب الى الأرض. وأما قوله عز وجل: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ (28)، أي فرق فيها، لأن أصله بث يبث بفتح معجمة الماضي وضمها من المستقبل، قال الله عز وجل:

زويد {وَمَا يَبَتْ مِن دَابَّةٍ) (29)، وبث السر اذا انتشر، وبث الغبار اذا هيجه وبثثت الشيء اذا فرقته، قال الله عز وجل: يَومَ يَكُونُ النَّاسُ كَالفَرَاشِ المبثوث (30). الفراش الطير التي تراها كصغار البق، واحدتها فراشة تتهافت في النار، والمبثوث المفرق. وقيل كفوعة (31) الجراد، شبه الناس عند البعث بها لآن الخلق تموج في بعضهم بعض من هول المحشر، كما قال عز وجل: ﴿كَأَنَّهُم جَرَادٌ مُّنتَشِرُ (32)، ويكون البث الحزن، قال الله عز وجل، قصة عن يعقوب عليه السلام: إِنَّمَا أَشكُوا بَنِي وَحُرْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (33)،

ولذلك قال الشاعر:

(23) سورة البقرة: 164 (25) سورة الصافات: 140

(27) سورة البقرة: 164.

(28) سورة البقرة: 164.

(24) لعل الصواب: على ماتقدم (26) سورة يونس: 22.

(29) سورة الجاثية: 4. (30) سورة القارعة: 4.

(31) الفوعة: الخروج بكثرة، ومنه فاعت الحشرات في المكان، أي خرجت بكثرة.

(32) سورة القمر: 7

(33) سورة يوسف: 86.

- 107 -