فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٤

وجل: فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعتُم) (66)، وقوله عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَج (67)، أي ضيق معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب الا جعل الله له منه مخرجا بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم، وبعضها بانواع الكفارات، فليس في الدين مالا يجد العبد مخرجا من توبته اذا تاب وأخلص الله عز وجل، فلو ثبت تكليف العباد مالاطاقة لهم لألزمهم الله عز وجل أمره حين أمرهم تبارك وتعالى وهو قوله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (68)، فلما عجزوا أن يتقوه حق التقوى خفف الله عنهم بقوله: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعتُم (69)، لأن الانسان لا يقدر أن يتقي الله حق التقوى، فوالله لو قام ليله ونهاره مصليا وصائما، ولم يعص الله طرفة عين لما بلغ عشر معشار لذة أكلة واحدة، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ولكان على هذا المعنى جميع الخلق الى الهلاك، ولكن الله علم من عباده أنهم لا يقدرون أن يتقوا حق التقوى فخفف عليهم ورحمهم انه أرحم الراحمين.

فصل

ومثل التكليف الذي يقع على الانسان وهو مكلف، وتقوم عليه الحجة من طريق العقل، ولايسعه جهل ذلك، مثل مايراه من خلق نفسه وجوارحه وكذلك خلق السماوات والأرض والبر والبحر واختلاف الليل والنهار واختلاف جميع الأحوال. ويجب عليه كف ماقبح في عقله مثل قتل الحيوان وأكل لحومها لأن ايلام الحيوان وقتل ذوات الأرواح قبح في العقل، ولولا جواز ذلك في حكم الشريعة لما حسن في عقله أن يأكل ذوات الأرواح ويقتلها، ولكن لاحظ للعقول من نص الشريعة بتحليله، وعليه اذا رأى رجلا يقتل ذوات الأرواح أن ينكر عليه، لأن ذلك الفعل في العقول جور ما لم تقم عليه الحجة ببيان حلال ذلك، ألا ترى أن موسى عليه السلام حين أنكر على الخضر عليه السلام من قتله للنفس حين قال له: {أَقَتَلتَ نَفْساً زَكِيَّةَ، قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر (راكِيَّة، أي قتلت نفسا لم تستحق القتل ولقد جئتَ شيئاً نكرام (70)، أي منكرا، قرأ نافع وأبو يعقوب وغيرهم بضم الكاف. فلو علم موسى عليه السلام أنه حلال له قتله لما أنكر عن اتيان الحلال، ولكنه لما جهل سبب ذلك أنكر عليه لأنه لا يسعه أن يسكت عنه بان

(66) سورة التغابن: 16. (68) سورة آل عمران: 102.

(69) سورة التغابن: 16. (70) سورة الكهف: 074

(67) سورة الحج: 78.

-118 -