الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٩صانعها، كالكتابة لاتشبه الكاتب والبناء لايشبه الباني، فاذا علم ذلك استدل بما ظهر له من ذلك على ماغاب عنه، فعلم أن الباري عز وجل لا تشبهه الأشياء، ولاتشاكله ولا تماثله وقد قال الله عز وجل: ليس كَمِثْلِهِ شَيء} (169)، أي ليس هو كشيء من الأشياء، فنفسه ذاته، وذاته اثباته، لأنه تعالى ليس بذي جسم ولاذي طول، ولا عرض، لأنه تعالى لو كان جسما من الأجسام لكان طويلا عريضا عميقا، لا يخلو من الحدود والنهاية والأعراض (170)، فهذه صفة الجسم، ولولا ذلك لم يكن جسما، وكانت جواهر (171)، ومن كان لايخلو من الحركة والسكون والنهاية والحدود والمكان، كان محدثا مخلوقا اذا لم يقدر على أن لا يكون محدودا ذا نهاية وافضاء من الحركة والسكون والتأليف والأبعاض، تعالى عن جميع
ذلك علوا كبيرا.
فصل
ولايجوز أن يوصف الله بأنه عرض ولاجوهر، لأن العرض لا يقوم بنفسه وانما يقوم بغيره، وهي الجواهر والأجسام، فليس خالق الأجسام بجسم ولا عرض، لأنه لو كان جسما لكان بنو آدم يخلقون على قدر قوتهم من الأجسام، فلما استحال ذلك أن خالق الأجسام ليس بجسم، لأنه لو كان خالق الأجسام جسما أو جثة لكان لا يخلو من أن يقدر أن يزيد في جسمه
وجثته.
فان قال قائل: يقدر على ذلك، قلنا له: فقد تغير عما كان عليه من قبل، وكانت زيادته في الجسم محدودة، لأنه لايكون جسم يحتاج الى زيادة الا محدودا، وينتقل حال النقصان الى الزيادة، ومن حال التغير الى الزيادات والزوال والنقصان فهو محدث مع أن زيادة الجسم في الكبر والعظم لابد لها من نهاية. ومن كان ذا نهاية وبداية فهو مخلوق مقسور على تلك النهاية والحدود، تعالى عن ذلك، وان كان لا يقدر أن يزيد في جسمه أو جثته فهو عاجز والعاجز ليس باله عظيم على كل شيء قدير، مع أن الهواء الذي تزيد فيه تلك الجثة لايخلو من أن يكون هو أو غيره، فهذا من المحال لا تمكن الصفة به اذا حدث الله صفة لاتعرف لأن زيادة الجسم لا يكون الا بفضاء
(169) سورة الشورى: 11
(170) الأعراض جمع مفردها عرض وهو: الممكن الموجود في الموضوع (171) الجواهر مفردها جوهر وهو: الممكن الموجود في موضوع. وهو الذات والحقيقة والماهية.
- 139 -