الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٤وأما القائلون: ان العبد مخترع لأفعاله فقولهم باطل، لأنه جعلوا
أنفسهم شركاء الله في الخلق، والله يقول: هَل مِن خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) (183) وقال تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلقِهِ﴾ (184)، يعيرهم بذلك، فكيف يكون أحد من خلقه خالقا كخلقه، تعالى الله عن تشبيه أحد من الخلق والاختراع، مع أن الخالق من شرطه أن يكون عالما بتفاصيل ماخلق، وقد قال الله عز وجل: يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (185). فالعبد لو سئل عن أعداد حركته في ليله ونهاره ما علم ذلك، وقد يتحرك مع سهوه الحركة (186)، فكيف يكون عالمها وهو ساه عنها، فلا يكون خالقا من كان ساهيا لاهيا عن مخلوقاته، وهو في حال فعلها ناس لتدبير الذي تريده، ولا يقدر يذكر (187) ليرجع الى سبيل قصده الذي أراد أن يعمله فكيف يكون خالقا لأفعاله ويفعل الأشياء على أنها صواب في خطا (188) فلا يشعر بها، فلا يكون خالقا لأفعاله من كان كذلك، ولكن أفعال العبد من الله خلق، ومن العباد كسب وعمل، والله خالق كسبهم، فيحال (189) ما يكسبون لا قبل ذلك ولا بعد، فهذا قول المسلم، والله أعلم.
فصل
وقد أجمعت الأمة من أهل الاستقامة بأن قالوا: ان الله تبارك وتعالى خلق الطاعة والمعصية، وأمر ونهى، وعلم من يعمل بالطاعة، ومن يعمل بالمعصية، فقد علم الله عز وجل كما علم، وأن الله عز وجل ما أجبر أحدا على طاعة ولا معصية، ولكن أمر بالطاعة وأمر بها وأحبها ورضيها، فمن عمل بها فبعلم المنان عليه بها، ونهى عن المعصية وأبغضها وكرهها، فمن عمل بها فبعلم الله والله الحجة عليه.
والدليل على خلق الأعمال من كتاب الله قوله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (190)، أي خلقنا كل شيء مقدرا مركبا على مقتضى الحكمة، أو مقدرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه، وكل شيء» منصور بفعل يفسره ما بعده، وقريء بالرفع على الإبتداء، وعلى هذا فالأولى أن يجعل خلقنا خبرا لا نعتا
(183) سورة فاطر: 3 (184) سورة الرعد: 16.
خطأ.
(186) لعل الصواب: سهوه عن الحركة (188) كذا في الأصل: والصواب: (189) كذا في الأصل، والصواب: في حال.
(190) سورة القمر: 49.
: وهي
(185) سورة الملك: 14. (187) كذا في الأصل