الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٩يستعان به عليهم في قتالهم وكراعهم، وأن تلف في وقت المحاربة. وقال بعض
من قال: لا ضمان عليهم. وأما إذا تلف بعد المحاربة فعليهم الضمان. وكذلك قد قال بعض المسلمين: إذا كان البغاة من أهل القبلة يحرقون منازل الناس، ويقطعون أموالهم، فإنه جائز للمسلمين أن يعاقبوهم بمثل ماعاقبوا، ويؤخذ في بعض قول المسلمين: من بغى على المسلمين بعد علمه بدعوتهم أنه لا دعوة له. قيل له: فإذا كان لا دعوة له فيقتل غيلة، فقال: على معنى قوله أنه كذلك والله أعلم.
فصـ
ومما وجدته مكتوبا بخط الشيخ الفقيه الرضي الوالي الموالي درويش بن جمعه الادمي (رحمه الله) وهو هذا حكمة وأدب (225). وقيل لا يستحق الإنسان الرياسة حتى يجتمع فيه أربع خصال: يصرف جهله عن الناس، ويحتمل جهل الناس عليه، ويترك مافي أيديهم، ويبذل ما في يديه. لهم. وهذه الرئاسة آنفاً غير الرئاسة التي زهد فيها، ويعين عليه الزهد فيها، وضرورة صدقه وسلوكه وإنما هذه الرئاسة إقامة الحق فيها، لصلاح خلقه، فهو يقوم بواجب حقها، ويشكر نعمتها، ولمثل هذا الرجل يصلح له بذل الجاه، والدخول فيما ذكرناه، وذلك بعد فراغه من نفسه. وأما من دخل في ذلك قبل فراغه من نفسه فهو صاحب رياسة، وذكر جميل، فإن الناس يقبلون عليه، ويخدمونه ويلازمون، بابه ويمسكون ركابه، ويطلبون بركته. والنفس تحدثه. ويظن هذا فضيلة ويقول ما يفعلونه إلا لله، وأنت لاحظ لك في هذا، ولو علم هذا المسكين لعدم حاجة نفسه في تخليصها إلى الله عز وجل من أمر هواها وشجرة شيطانها وهو لا يبالي بذلك كما قال: ما من أحد تكلم في سبيل الله واخرج ما يخرج من القلوب الرئاسة (226)، ومتى ماترك المزيد للناس يتركونه ويلحظونه بعين التعظيم. فاشهد بعدم فلاحه، ولهذا كان أصعب الدعاء عندنا على أحد إذا قال: أطعم الله نفسك، فإنه من ذاق طعم نفسه لا يرجى فلاحه أبدا، وهو التدارك، إذا نظر الناس بعين التعظيم والترك، فتحفّظ من
هذا.
ومعنى قول بعض الصوفية: «آخر ماخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة». والعارفون من أصحاب هذا القول ما يقولون ذلك على مايفهمه العامة من أهل هذا
(225) هكذا في الأصل، ولعله يقصد: وهو ذو حكمة .. أو، وهو مما فيه حكمة وأدب.
(226) راجع البخاري ومغازي»، والدارمي «مقدمة».
- 329 -