فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٣٠

الطريق منهم؛ وإنما ذلك على ما بيّنته بالمقصود، لكل من أهله الله بذلك، وذلك ترك الإنسان أموراً كثيرة أحياه الله فيها مالم يكن يعرف أن ذلك في نفسه، كالشخص الذي برئ منه الطبيب من المرض، مالم يعرفه العليل ولا يحس نفسه. فذلك ما احياء الله في نفوس الخلق الا تراه يقول عليه السلام: من عرف نفسه فقد عرف ربه» (227) فلا يزال الحق يخرج للإنسان من نفسه ماخبا فيها فيشهده، فيعلم من نفسه عند ذلك مالم يكن يعلمه قبل ذلك.

6

فاعظم الجاه جاه من جَاهُهُم بالله إذا كان الله قوى هذا العبد مع بقاء عينه، فيعلم عند ذلك أن المثل لا يماثل، فإنه عبد رب. والله تعالى رب العبد فان جميعه، وللحق الانفراد، واحد، رب، حى، ان يزيدك علوا في الأرض، فالزم الخمول، وان أعد الله كلمتك، فما أعلا الله إلا الحق، وإن رزقك الرفعة في قلوب الخلق، فذلك

إليه تعالى.

أنه

"

والذي عليك: التواضع، والذلة، والإنكسار، فإنما انشأك الله الأرض فلا من تعلو عليها، فإنها أمك، ومن تكبر على أمه فقد عقها، وعقوق الوالدين حرام. ثم ورد في هذا الحديث ان «حقاً على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه». (228)، فإن كنت أنت ذلك الشيء، فانظر وصفه إياك، وما أخاف على من هذه صفته، لأن الله تعالى إذا وضعه وضعه في النار. وذلك إذا رفع ذلك الشيء نفسه لا إذا رفعه الله، فذلك ليس إليه، إلا أنه لابد أن يراقب فيهما أعطاه الله من الرفعة في الأرض، بولاية وبقدم يخدم من أجله ويغشى، بابه وتلزم ركابه، فلا يبرح ناظرا في عبوديته وأصله، فإنه خلق من ضعف من أصل الموصوف، لأنه ذلول، ويعلم أن تلك الرفعة إنما هي للمرتبة والمنصب لا لذاته فإنه إذا عزل عنها، لم يبق له ذلك الوزن الذي كان يتخيله ويتنقل ذلك إلى من أقامه الله تعالى في تلك المنزلة، فالعلو للمنزلة لا لذاته، فمن أراد العلو في الأرض فقد أراد الولاية فيها وقد قال عليه السلام: انما هي يوم القيامة - إنما هي حسرة وندامة - فلا تكن من الجاهلين. والذي أوصيناك به أنك لا تريد علوا وإن أعلاك الله، لا تطلب أنت من الله إلا أن تكون في نفسك صاحب ذلة، ومسكنة، وخشوع،، فإنك لن تحصل ذلك إلا أن يكون

،

(227) في النفس انظر مسلم «إيمان»، وابن ماجة وجهاده. وغيرهما. (228) رواه أحمد: 103/ 3.

330