الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٠وقد تمسك المشبهة بالحديث المسنود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث جابر
ابن عبدالله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انکم سترون ربكم لاتضامون في رؤيته كما لاتضامون في القمر ليلة البدر» (220)، في عدة من الأحاديث التي يروونها على هذا النسق، ومعنى لا تضامون، أي لا تشكون، فانا نقول: ان صح هذا الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام فمعناه عندنا أن اسم الرؤية يطلق ويراد به العلم، قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحاب الفيل) (221)، وقال تعالى: {أَلَم تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ) (222). وقال تعالى: {أَوَ لَم يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتقا فَفَتَقْنَاهُمَا (223)، قال الكميت بن زيد: رأيت الله ان سمي نزارا
**
وأسكنهم بمكة قاطنينا
قال الشيخ أبو نوح (رحمه الله في كتابه يقال لهم: ان احتجوا بهذه الرواية، ان كانت صحيحة فمعناه تعلمون أن لكم ربا لاتشكون في العلم به، كما لا تشكون في أن القمر قمر، وهذه اشارة الى زيادة المعرفة واليقين بالله عز وجل، اذا صفت القلوب وتمهرت (224) بالشراب الطهور، والى هذا كان يذهب الغزالي أبو حامد في الاقتصاد. قال الشيخ أبو نوح (رحمه الله) يقال لهم: والرواية تحمل على ظاهرها، أو لها تفسير؟ فان قالوا على ظاهرها، قيل لهم: فربكم اذا مدور كالقمر، وهو أيضا متحيز في جهة واحدة، لأنكم لاترون القمر الا في المشرق، أو المغرب، أو في وسط السماء، لا غيره وان قالوا: الرواية لها تفسير، فليسوا أولى من غيرهم بالتفسير، فيسأل القوم لم حضروا (225) لفظ الرؤية في الحديث الى المشاهدة بالبصر دون العلم؟ فلا نجد عندهم فيه جوابا، لأن المحتمل لا تقوم به حجة وهو ساقط من يد المحتج، ومما نسألهم أنا نقول لهم: أخبرونا عن هذه الرؤية أهي بحاسة البصر دون العين الجارحية المعروفة التي تدرك الألوان؟ أم بحاسة أخرى غيرها؟ أم يرى بغير حاسة؟ فان قالوا بهذه الحاسة، قلنا: لاترونه الا بجهة منكم، أما فوقا واما أسفل، واما مقابلا، والمرئي لابد أن يكون بجهة من الرائي، وهذا جلي واضح.
(220) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 333/ 2.
(221) سورة الفيل: 1.
(222) سورة الفرقان: 45
(223) سورة الأنبياء: 30.
(224) تمهرت: المراد هنا تطهرت (225) كذا في الأصل.
_10_