فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥١

وان قالوا يرى بحاسة أخرى غير حاسة البصر، قلنا: لا تخلوا هذه الحاسة أن تكون في معنى البصر، مدركة للألوان كما كان البصر يدركها، أو تكون على خلاف ذلك، فان كانت في معنى البصر فهي المسالة الأولى بعينها، وان قالو: هذه الحاسة مخالفة لمعنى البصر مصادرة لها، قلنا: نراكم أردتم اثبات الرؤية بابطالها، واحتججتم للرؤية بحجة زوالها، وقولكم شبيه بقول من قال شممت رائحة المسك باذني، وذقت مرارة هذا الشيء بانفي. فان قالوا: يرى بغير حاسة فاعلم أن القوم عولوا على الاعتذار بعد العثار، ورجعوا الى تاويل اصحابنا في معنى الرواية، وهو أن تكون الرؤية بمعنى العلم، لكنهم كابروا وهولوا وطولوا. ومما نسال عنه القوم أنا نقول: أخبرونا عن قوله تعالى: لا تُدرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ) (226)، هذه مدحة امتدح الله عز وجل بها أم لا؟ فان قالوا: لا، فقد جاحدوا وصاروا من الذين قال الله فيهم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاستَيْقَنَتهَا أَنفُسُهُم ظُلماً وَعُلُوا (227)، وان قالوا: هذه مدحة امتدح بها، قلنا هذه المدحة ثابتة له في الدنيا والآخرة، أم في الدنيا خاصة؟ فان قالوا في الدنيا خاصة، فقد جعلوا مدائح الله سبحانه تزول عنه في الآخرة، فنقول: يلزمكم من هذا أن يكون قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ أيضا في الدنيا خاصة، لأن الآية جاءت مجيئا عاما، وتكون على قولكم جميع مدائح الله عز وجل يجوز زوالها عنه في الآخرة، مثل قوله تعالى: وَلَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ﴾ (228)، ومثل قوله: ليس كمثله شيء (229)، وكذلك سائر المدائح لأن هذه مدحة وتلك مدحة وان قالوا الزوال في هذه خاصة فلا حجة لهم، وان قالوا مدائح الله سبحانه ثابتة له في الدنيا والآخرة، فهو مانقول، وهو الحق والصواب، وبطل ماصاروا اليه ان

شاء الله.

واعلم أن القوم لابد لهم في الرؤية من أحد وجهين، فان سلموا من هذا وقعوا في هذا ولابد وهو أقطع مانناظرهم به في هذه المسالة، لأنا نقول: أخبرونا عن رؤيتكم اياه أهو في مكان واحد، فيكون محدودا محاطا به، وأنتم اذا أعظم منه، لأن المحيط أعظم من المحاط به، أو يكون في جميع

103:

(226) سورة الأنعام (227) سورة النمل: 14. (228) سورة البقرة: 255. (229) سورة الشورى: 11

-101 -