الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٧وقيل: إن الوالي والسلطان كالسوق مانفق منه حمل اليه. فإن نفق عنده الحق وقبله عرف به جاء أهل الحق وحملوه إليه من كل ناحية، وجالسه وصحبه أهل الدين، من العلماء والعباد المتقين. وإن نفق عنده الباطل وقبله، وعرف به، جاءه أهل الباطل الضالين والجهلة الفاسقين. وكان معهم من إخوان الشياطين، فينبغي للمرء أن يتفقد حاله هاهنا، وينظر علامته بما ذكرنا، ويصلح نفسه أولاً مع جلسائه. فإن استقام مجلسه بالعقل والعلم والشفقة والنصيحة، رجونا ان يستقيم أمره في رعيته، ويحسن سياسته فيهم، ويصيب رأيه، ويعتدل ملكه. وقد كان الولاة والأمراء السلف يجتهدون في ذلك، ويختارون لمجلسهم خيار العلماء الزاهدين، والعباد
من
الخائفين.
واعلم ياأخي أن السعادة في متابعة الشريعة الصادقة، في قولك وفعلك، وفي إظهارك وإضمارك، وفي نطقك وعنفك، فلئن تجتهد في طلب الحق، ثم تفعل أمراً وقصدك به المتابعة، ثم تخطيء فيه، أحب وأصوب من أن تفعل أمراً وقصدك فيه المخالفة، ثم تصيب فيه الحق. فالمجتهد: إن أصاب له أجران وإن أخطأ فله أجر» (16). والمخالف مأزور وإن أصاب فافهم ما أشرنا إليه. فعليك بمتابعة
الشريعة. .
وقد كان الخلفاء القدماء هم العلماء، فإنَّ العلم شرط الولاية، فيتعين على الوالي الجاهل تقليد علماء عصره في كل أموره وأخذه وتركه أموره، فقد أوجب الله على الكافة طاعة العلماء، إذ هم ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل. وهم أولو الأمر المشار إليهم في الآية الكريمة (17). وتأمل قوله تعالى لرسوله عليه أفضل الصلاة والسلام: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر فَاتَّبعها} إلى قوله: يُوقِنُونَ) (18) فتدبر ملكك. وتستن بها رعيتك، فمن خرج في تدبيره وسياسته، عن حدود الشريعة، ضاع أمره، وانهتك سره، وكان إخوانه وأعوانه من الشياطين، المربين الفتانين، قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَدعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصحاب السَّعِير) (19).
واجعل عمدتك في أمرك متابعة الخلفاء والأمراء من السلف الصالحين، وأهل
(16) رواه البخاري في الاعتصام، ومسلم في «الأقضية، وأبو داود في «الأقضية، وغيرهم. (17) يقصد بها اية سورة النساء رقم 59، 84.
(18) سورة الجانية: 18.
(19) سورة فاطر: 6.
337 -
-