الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٩به
،
ويجب على الوالي ويتعين عليه أن يتفقد برأفته جميعهم، ولا يكل أمراً من أمور رعيته إلى أحد إلا بعد العلم بأمانته، والخبرة بدينه وورعه، و شفقته نظره وحسن ورعايته. فإن كل راع مسئول عن رعيته ومطالب في التقصير فيهم. ومحاسب على التهاون والتغافل عن تفقدهم وإصلاح شأنهم، ويتأكد على الوالي دوام المراقبة والبحث عن أحوال نوابه والقوام على أمور رعيته، كقضاة الأحكام، وولاة الوظائف، والأوقاف والأيتام، ونحوهم. فيتفقد أحوالهم وأفعالهم. ويختبر للتجربة بواطنهم. وظواهرهم، ولا يهمل لأحد منهم اعتمادا على ماظهر له من أمانته، والتفقد الجميعهم مرة بعد مرة اخرى - دائما - فإنّ الرعاية والرعية، كالأمانة والوديعة عنده، ولا يسامح في التضييع والتساهل بشيء منها، دقيقها وجليلها. ويصلح بنيته بالصدق والشفقة، وحسن الرعاية، ووافي الحماية. وقيل: إنَّ الوالي إذا هم بالجور في رعيته، أو عمل به أدخل الله النقص على أهل مملكته، وإذا هم بالعدل في رعيته، أو عمل،، أدخل الله الزيادة والصلاح في أهل مملكته. وأيضاً فقد نقل في ذلك حكايات صالحة، وروايات راجحة عن الولاة والأمراء فيهما مضى، والتجربة والمشاهدة بذلك قاطعة، وإن الولاة إذا كانت هادية مهدية، أصلح الله الرعية. وإن كانت ظالمة مسيئة، كانت بضد ذلك وردت في ذلك الاخبار والأثار، فكل بلدة بلا سلطان فسلطانها السلطان، وكل بلدة بلا سلطان قل ماتخلو من لعنة الرحمن. تلك البلاد معرك الشيطان الأخير في سكانها، وان كثروا، ولا طمع في صلاحهم وان قلوا، وخير البقاع بقاع السلاطين والسلطان عليه لواء معقود بالستر والجميل، مادام يرعى رعيته بحسن الرعاية، والله به لطف عظيم، مادام بحماهم يوافي الحمام. فإذا ترك أو غلب أهل الظلم على المستضعفين، ولم يدفع عن المضيوم عن المعسر المديون، وينتصف للمظلوم، أو هجر التجاهر بالفسوق في الدين، والمبادرة لرب العالمين، فحينئذ يضع أمر الوالي، ويستحق العقوبة والعزل من الوالي المتعالى، لحصول إهماله، وتضييع أحواله، فهو كالمعزول أو المفقود، وإن كان شخصه موجودا، إذ لا مصلحة في ولايته وبقائه. فافهم ما أشرنا إليه. فإن للوالي مرتبة جليلة، إن أحسن الرعاية فأجره جزيل، إذ هو يشارك الرعية في كل خير، قليل أو كثير، وأيضاً حمله ثقيل، إذ يحمل عليه من أوزار رعيته كل مصيبة من دقيق وجليل، لقدرته عليهم، وكونه سيباً فيما لديهم. {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم
- 339 -