الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٠يَظْلِمُونَ} (24). ويتأكد على الوالي الشكر لله على إصلاح رعيته، وانتظام أمرهم إذ هم نعمة عليه. والشكر قيد النعمة على الزوال وزيادتها. وان اضطرب أمر ولايته، فيرجع إلى ربه، ويتوب من ذنبه، ويطلب منه إصلاح، أمره، وتيسير عسره. فقد كان السلف يعترفون أن ما أصابهم من مصيبة فبذنوبهم، قال الله عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبَمَا كَسَبَت أيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كثير) (25). وتستعين بدعاء عباد الله الصالحين، وبخبرة أهل العبادة والعلم والورع في الدين. وأيضاً فبالملاطفة والإحسان إلى الفقراء والمساكين والضعفاء والمنكسرين. ففيه عطفات من الله قوية وجلية، حقيقة قد جرب ذلك أهل الفضل والعقل، فلولا الصالحون لرجعت الأرض بأهلها، ولولا القطب لما استقام أمر السلطان في قطره، ولتلاشي ملكه في ساعة من دهرة. وأيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما تنصرون بضعفائكم «وفي رواية انها ترزقون» (26) وهم: الفقراء والمساكين، واليتامى والغرباء، والأرامل،
والمستضعفون.
،
،
6
ولا يجوز للوالي العفو والمسامحة بحق الله تعالى في الحدود، والدفع عن المظلوم، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين، إنما يحسن العفو فيما خص جانبه، واقتصر عليه فقط، ويتأكد على الوالي التثبت والتأني في جميع أموره، في قوله وفعله ومباينة الطيش والعجلة، فإنهما من الشيطان والأناة من الله، وإنما توجد العثرة في العجلة خصوصاً عند الغضب، فإن العجول: يقل صوابه، ويكثر خطأه، وندمه. وإن كان مرموقا بالعقل والحذق والكياسة. وإياك وطاعة النساء في شيء من أمرك، ففي طاعتهن الندامة، وفي خلافهن البركة والإصابة واحذر أن تكون منهزما بطلب الراحة، وراغباً في اللهو واللعب والبطالة، فكل ذلك يسلب الفضل، ويذهب
بالعقل.
وإياك أن توسع على نفسك، وعلى من يتعلق بك بالشهوات، والتنعم باللذات، في أكثر الحالات، وان تبسط اليد في البذل والجود والمال، لغير مصلحة دينيه، وإصلاح واضح يعود نفعه على الرعية وانتظام الملك فإن من فتح بابا في شيء مما ذكرناه انفتحت عليه أبواب المفاسد والشرور، وأوقعته في الظلم والجور، واضطربت
(24) سورة النحل: 33. (25) سورة الشورى: 30.
(26) رواه ابو داود والبخاري في الجهاد.
- 340 -