الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤١من
عليه الأمور، وأدخلته في كل عسر وضيق، ويحمل في ذلك مالا يطيق. والعامل يقتصد في كل الأمور، ويغلق عنه أبواب الشرور، ويكون حذر. فإنما أهلك الولاة بسط اليد، والجود بالكثير من المال، طلباً للمحامد، ونشر النص الأنذال، من الحمقاء، والسفهاء، وأشباههم. فصابر على الحق حتى يأتيك اليقين أعاننا الله وأياك على ضاعته، وحفظنا جميعا من الوقوع في مخالفته. واعلم أن المعونة من الله تأتي على قدر المشقة والمؤنة، وأجر الصابرين بغير حساب، وعطاؤهم بغير مقدار. وخير الناس انفعهم للناس، كما ورد في الحديث، وأقدر المراتب والمناصب على منفعة الناس، عمومهم وخصومهم، في دينهم ودنياهم، هم الولاة والسلاطين ثم من يليهم. فما أجل قدرهم وأجزل أجرهم، ان عملوا بالعدل، ووقعوا للفضل.
ويوم من إمام عادل خير من عبادة العابد أعواماً كثيرة، كما ورد ذلك في الآثار الصريحة الشهيرة، وطول العمر لأهل العدل والفضل سعادة وزيادة. وأما أهل الجور والظلم والغشم؛ فما أثقل وزرهم، وأقل قدرهم. وطول العمر لأهل الظلم والغشم شقاوة وإهانة، أصلح الله أمر المسلمين، وأصلح ولاتهم بالهداية والتوفيق، وأعانهم على كل خير آمين.
واعلم أن الوالي به صلاح الدنيا والدين، فإذا احتقر الأغنياء فقراءهم، وقطعوا أرحامهم، ومنعوا صدقاتهم، منعوا قطر السماء، وبركات الأرض. وإذا تجاهر الناس بالفواحش، وأظهروا المعاصي، ثم لم يؤمر فيهم بالمعروف، وينهى عن المنكر، وضعت العداوة والبغضاء بينهم، وغلب أهل الظلم والجود، وانتشرت فيهم الشرور، وسلبوا بركة الشريعة من قلوبهم، ورفعت عنها حرمة الدين، وحرمة العلماء والصالحين، فبقيام الوالي عليه من الحقوق في قطره، يصلح الله به الأمور، ويدفع عن الرعية الشرور، وفق الله المسلمين لكل خير كثير.
واعلم أنه يجب على الرعية طاعة الولاة في المصالح، دون المفاسد، كما ورد في الحديث الصريح. (27). ونقل الإمام النووي في تهذيبه عن الإمام الجليل. عمر بن عبد العزيز إذ نادى بأعلى صوته في جامع دمشق، والناس فيه مجتمعون. وقال: «يا أيها
(27) راجع باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية، في البخاري كتاب الأذان» و «الجهاد».
- 341 -