الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٩المسلمين، والله أعلم بالصواب.
فصل
وأما قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأَ) (1) فالذي قيل: أن نصبه على الحال أو المفعول له أي لا يقتله في شيء من الأحوال، إلا حال الخطأ. ولا يقتله لعله إلا للخطأ. وقيل: إنه صفة مصدر محذوف معناه: إلا قتلا خطأ. وقيل: ماكان بقي في معنى النهي، والاستثناء منقطع، أي ذلك أن قتله
فجزاؤه ما نذكر.
والخطأ لا يصاحبه القصد إلى الفعل، وذلك مثل رمي مسلم في صف الكفار على الجهل بإسلامه. والآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله، فخرج هارباً إلى المدينة، فجزعت أمه لذلك جزعاً شديداً. وقالت لبنيها الحرث، وأبي جهل بن هشام، وهما أخواه لأمه: «والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتياني به، فخرجا في طلبه، فأتيا عياشاً، فقالا له: إن أمك، حلفت، لا تذوق طعاماً ولا شراباً، حتى ترجع إليها، ولا تنالك بمكروه، ولا تحول بينك وبين دينك، فلما سمع إليهم وخرجوا من المدينة فأوثقوه بنسعة (13)، وضربوه ضرباً شديداً، فجاؤا به إلى أمه، ما شاء تكفر بالذي آمنت، فتركوه موثوقاً - مـ فقالت له: والله لأخلينك في وثاقك، حتى ت الله ـ وأتاه رجل فقال له ياعياش أهذا الذي كنت عليه، فوالله إن كان هدى، فقد تركت الهدى، وإن كان ضلالاً فقد كنت عليه»، فغضب عياش من ذلك فقال له: «والله لا ألقاك خالياً إلا قتلتك، فلما هاجر عياش مع النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم ذلك الرجل بعده، وقد هاجر مع النبي. ولم يشعر به عياش، لأنه كان حاضراً، فبينما عياش يسير إذ لقي ذلك الرجل، واسمه الحارث بن زيد فقتله عياش حين لقيه فقال له الناس: «قد أسلم فأتى عياش النبي صلى الله عليه وسلم. وقال يارسول الله: «لقد كان من أمري وأمر الحارث ما علمت وإني لم أشعر بإسلامه، وإني قتلته (1). فنزلت (وما كان لمؤمن إن يَقتُلَ مُؤمِناً إِلَّا خَطَأَ وَمَن قَتَلَ مُؤمِناً خَطَأَ فَتَحريرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي فعليه عتق رقبة، كفارة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يَصَّدَّقُوا} أي يتصدقوا عليه
(12) سورة النساء: 92.
(13) بسعة: سير ينسج عريضا على هيئة أعنة النعال، تشد به الرحال والجمع: النبع. (14) انظر القرطبي، ج 5، ص 313.
- rog -