الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦١طال التجادل في ذلك، وكثر الخوض والامتحان فيه، لم نعذر أنفسنا باقامة أدلة قاطعة، وأنوار ساطعة، وحجة بالغة، وبراهين واضحة، وذكر تطمئن به القلوب، وتكشف به الكروب، والحمد لله حق حمده، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فصل
"
والحجة الواضحة، والدلالة الرائقة، أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم من قوله عز وجل: أوحَينَا إِلَيكَ هَذَا القُرآنَ) (12) وقال تعالى: وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (13)، ﴿وَقَد كَانَ فَرِيقٌ مِّنهُم يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (14). ومن الحجج التي زادتنا ايضاحا على أن القرآن من علم الله عز وجل من قوله: سَنُقرِئُكَ فَلَا تَنسَى (15)، وذلك من تعليم العالم لمن يعلمه، لا من لفظ القراءة لمن يقرئه، فعلمنا أنه أراد هاهنا معاني القرآن وحروفه وتلاوته، فلما ثبت ذلك من تعليم العالم لم يعلمه، فالعالم لا يعلم الا من علمه واحطاته بالذي يعلم به المتعلم، فلو كان القرآن من غير علم الله لما وصله الله بالتعلم وقد قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَكَ مَالَم تَكُن تَعلَمُ﴾ (16). والصواب في ذلك أن علمه من خفيات الأمور، أو أمور الدين والأحكام، وخفيات الأمور، وأمور الدين والأحكام لايعلم عن أحد الا من الله عز وجل، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام لا يعلم شيئا من ذلك حتى علمه الله، ولا نعلم أن الله أنزل قرآنا على نبيه غير هذا البتة، فلما ثبت ذلك علمنا أن القرآن من علم الله عز وجل، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّن عِلمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (17)، أن يعلموا. وأي علم أفضل وأخص من القرآن؟ وأي امريء أولى بمشيئته عز وجل من نبيه محمد عليه الصلاة والسلام من أن يجعله محيطا بشيء من علمه؟! ولا تكون احاطة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بشيء من علم الله عز وجل الا من وحييه وتنزيله، وهو الكتاب العزيز الذي: لايَاتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلِفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيد (18)، لأنه يستخرج منه جميع العلوم بالأشياء، من العلم بالله عز وجل وبأمره وحلاله وحرامه ويستخرج منه علم الفلك والأسماء والطب والرياضيات والطلسمات، فلولا (13) سورة الاسراء: 106
(12) سورة يوسف: 3. (14) سورة البقرة: 75 (15) سورة الأعلى: 6 (16) سورة النساء: 113 (17) سورة البقرة: 255.
(18) سورة فصلت: 42.
- 161 -